20/4/2022

نص السؤال:

السلام عليكم يا مشايخنا الكرام / سؤالي هو:-

أنا ابن 22 عاما، قبل عامين التزمت وتمسّكت بالدين وحاسبتُ نفسي على أدنى الأعمال وأكبرها ولكن سرعان ما رأيت تأثير ذلك من رؤية الصالحين بيقين ورؤية أولياء الله بالرؤى الصالحة، رأيت كبار علماء الأمّة والأئمة وكنت ملتزما بصلاة الفجر في المسجد، هنالك جنة رأيتها لا أستطيع وصفها لو أنّ المعرفة نقشت على شيء لمات مَنْ رآها مِنْ حسنها وجمالها ولكن بعد ذلك ابتعدت عن رحمة الله وبدأت أذنب والذنوب مميتة للقلوب وذلك شيئا فشيء أبتعد عن كلّ شيء إلا الصلاة ولكن صلواتي كانت دومًا ليست بأوقاتها، في هذه الفترة بالتحديد بدأت التزم مثلما كنت ملتزما ونفس الحال تمامًا رأيت أشياء أكبر من أنّ عقلي يفسرها، نعم عندما أحد يقترب بصدق وإخلاص من الله جلّ جلاله يرى العجب العجاب وإن أقصر طريق لله هو التفكر… المهم قبل يومين رأيت أحد مشايخي بعين قلبي وكان معه عصا، وفي منتصف الطريق ولكن بعد ذلك ردّت لي روحي ورأيت نفسي مستيقظا… ولكن بعد ذلك أذنبت ذنبا حتى منعني عن الصلاة وهذا ثاني يوم لا أصلي

آسف لأنّي أطلت كثيراً في السؤال ولكني أتألم كثيرًا أتمنى تساعدوني

سؤالي هو:-

هل سأحرم من هذا الروح والريحان وهذا القرب والأمان وهذه السكينة والطمأنينة وانشراح للصدر ورؤية الصالحين والأنبياء والأولياء بسبب الذنب الذي فعلته وبسبب انقطاعي عن الصلاة لمدة يومين…. “مَنْ عادى لي ولياً فقد أذنته بالحرب” ماذا عمَّنْ عاد ثمّ انقطع ثمّ عاد ثمّ انقطع هل إذا عدنا من جديد مرة أخرى من نقطة الصفر سنكون من المقربين وندخل في صنف عباد الله الصالحين إذا تقربنا بالطاعات أكثر وأكثر وأكثر؟ سمعت يقولون: المخلص والصادق لا يذنب ولكن ماذا عنّي 💔😔 أنا أحبّ الله ولكن أذنبت 💔😔

💔🙏🏻 أرجو من الله أن يجعلكم تجاوبونني على سؤالي

 

الاسم: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الميمون، وأسأله سبحانه لي ولك الثبات، وصحبة أولياءه رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

الجواب باختصار:-

الرؤيا الصالحة إرشاد من الله جلّ في علاه، فيراها الرائي ليُبشّر فيها أو يُحَذَّر من شرّ، وفي كلا الحالين يكون له نفع بإذن الله جلّ جلاله، وحقيقة الأمر لا يعلمها إلّا الله تبارك اسمه، لأنّها من عالم الغيب وأحوال الروح فيهتدي المسلم بهدايتها لكن لا يجعلها علّة لعبادته.

ولا شكَّ أنّ الذنوب سبب لزوال النعم وحلول النقم، فإنْ كنت في نعمة فارعها بطاعة الله تقدست أسماؤه.

التفصيل:-

الرؤيا الصالحة بشرى من الله سبحانه، فالذي يحبّ الصالحين ويتعلّق بهم قلبه، يراهم في المنام يبشرونه بخير أو يحذّرونه من شرّ، فرؤيتهم على كلّ حال خير ونفع، وهي رزق معنوي يقلّ ويكثر حسب توفيق الله جلّ وعلا للعبد، وحقيقة الأمر لا يعلمها إلّا الله جلّ جلاله لكونها من عالم الغيب وأحوال الروح.

قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه والكرام:-

(لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وفي رواية أخرى قال:-

(الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ) الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ في الموطأ.

ولكن لا ينبغي للإنسان أنْ يتعلّق بها كثيرا حتى تكون علّة لعبادته، بحيث يجتهد ويكثر من الطاعة ليرى تلك الرؤى، والله عزّ شأنه أمرنا بالإخلاص.

قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [سورة الزمر: 2].

وقال سبحانه:-

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة: 5].

ولمزيد من الفائدة أرجو الاستماع إلى محاضرات الإخلاص الموجودة على صفحة هذا الموقع الكريم، وجواب السؤال المرقم (552).

أمّا الذنوب فلا شكَّ أنّها سبب المصائب والفتن، فما حلّت في قلوب إلّا أعمتها، ولا في أجساد إلّا آذتها، ولا في نفوس إلاّ أفسدتها، ومن آثارها أنّها تزيل النعم بمختلف أنواعها وتكون سببا في حلول النقم والمحن، فإذا كنت في نعمة فارعها، بالإكثار من طاعة الله عزّ وجلّ وصحبة أولياءه الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

قال ربّنا جلّ ذكره:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

وقال سبحانه:-

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنفال: 53].

وقال عزّ وجلّ:-

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [سورة الشورى: 30].

واحْذَرْ فإنَّ الذنوب سبب لسوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، فالعبد العاصي قد تخونه جوارحه وقلبه ولسانه عند احتضاره وقرب أجله، في وقت هو أحوج ما يكون لنطق الشهادَتَيْنِ.

قال مولانا تقدّست أسماؤه:-

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [سورة الأنعام: 44].

ومعنى مُبْلِسُوْنَ: أي: آيِسُوْنَ.

ويقول سيّدنا الصادق المصدوق صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}) الإمام أحمد رحمه الله جلّ ذكره.

ورحم الله تعالى القائل:-

رَأَيْتُ الذُّنُوْبَ تُمِيْتُ القُلُوْبَ *** وَقَدْ يُوْرِثُ الذُّلَ إِدْمَانُهَا

وَتَرْكُ الذُّنُوْبِ حَيَاةُ القُلُوْبِ *** وَخَيْرٌ لِنَـفْـسِكَ عِصْيَانُهَا

لذا فتركها بتوبة واستغفار سبيل لنَيْلِ رحمة الله جلّ في علاه القائل:-

{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ ‌يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء: 110].

قال سيّدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وآله وصحبه الطيّبين الطاهرين، فيما يحكي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ:-

(أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

(وَقَوْلُهُ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ، مَعْنَاهُ مَا دُمْتَ تُذْنِبَ فَتَتُوبَ غَفَرْتُ لَكَ) فتح الباري (13/472).

وما مِنْ أحد يُعصم من الذنب.

قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه.

وليس في ذلك مدعاة للوقوع في المعاصي، وإنّما لبيان عظمة رحمة الله سبحانه بعبده.

وقال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

ونسبة هذا الخطأ تتفاوت من شخص لآخر على حسب التقوى والالتزام بشروط التوبة بصدق وهمّة.

وأهل الذوق والمراتب العالية يتقلبون في أفق الحياء ولسان حالهم يقول:-

(وَاخَجْلَتِي وَإِنْ غَفَرَ).

ويقول:-

إِذَا مَا قَالَ لِي رَبِّي أَمَا اسْتَحْيَـيْـتَ تَعْـصِيْـنِي

وَتُـخْفِي الذَّنْبَ عَنْ خَلْقِيَ وَبِالعِصْيَانِ تَأْتِـيْنِي

فَكَيْفَ أُجِيْبُ يَا وَيَحِي وَمَنْ ذَا سَوْفَ يَحْمِيْنِي  

أُسَـلِّـي النَّـفْـسَ بِالآمَـالِ مِنْ حِـيْـنٍ إِلَى حِيْنِي

 

لأنّهم يعاينون من بيّنات الورع ومعرفة الخالق جلّ جلاله ما يجعلهم في مقام الخوف والانكسار.

قال تعالى:-

{إِنَّمَا ‌يَخْشَى ‌اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28].

وقال:-

{أَمَّنْ هُوَ ‌قَانِتٌ ‌آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الزمر: 9].

وأرجو الاطلاع على جواب السؤال إحالات عن التوبة (2298) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.