24/4/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله شيخي سؤالي يخصّ التعدّد
تعدّد الزوجات حلال وهذا قول الله تعالى في القرآن الكريم وأنا لا أعترض على كلام الله عزّ وجلّ -حاشا لله- لكن أتحسّس من الموضوع وأريد أنْ أفهم هل يوجد حالات معينة للتعدّد أم يجوز للرجل حتّى لو كان لهوى نفسه؟ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حدّ علمي لم يعدّد الزوجات لنفس السبب الذي يعدّد به رجال اليوم! فتزوّج بأبي وأمّي ونفسي هو المطلقة والأرملة وكبيرة السنّ أي ليس لهوى نفسه صلّى الله عليه وسلّم، وقول الله تعالى (فإنْ خفتم ألّا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألّا تعولوا) هل يعدل الرجل من ناحية العاطفة إذا تزوّج من اثنتين أو أكثر؟ وإذا لم يعدل حرام عليه؟ وفي بعض الحالات إذا زوجته لا تنجب الأطفال يتزوّج مرّة ثانية لهذا الغرض ما ذنب الزوجة الأولى التي تعاني من ألم عدم قدرتها على الإنجاب يتزوّج عليها وينجب منها وينكسر قلب الأولى من الناحيتين عدم الإنجاب وزواج زوجها.
فهل هناك شروط للتعدد؟
أسئلة تحيرني وأريد أجوبة من فضلكم فإنّي آخذ بكلامكم رضي الله عنكم.
الاسم: سائله
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلك الطيّب ودعواتك المباركة ولكِ بأفضل من ذلك.
تعدّد الزوجات مباح بشرط الإمكانية البدنية والمالية والعدل بينهنّ، وليس المقصود به العدل القلبي.
قال الحقّ جلّت حكمته:-
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ —} [سورة النساء: 129].
لقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:ـ
(اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّت حكمته.
فتحقيق العدل القلبي غير مطلوب، لأنّ الزوج يستطيع أنْ يعدل في الأشياء الظاهرة لكنّه لا يملك قلبه إنْ مال إلى إحداهنّ أكثر من الأخرى، شريطة أنْ لا يُظهر ذلك.
وعلى المرأة المسلمة أنْ تُقابل هذا الحكم الشرعي بالرضا والتسليم لما فيه من الحِكَمِ والمنافع العديدة التي تعود على الفرد والجماعة، وأنْ تنشغل بذكر الله تعالى وتستأنس به؛ فالزوج جزء مهم من الحياة لكنّه ليس الحياة كلّها.
ينبغي أنْ نعلم أولاً بأنّ الإسلام دينٌ شامل تُؤخذ أحكامه كحزمة واحدة، لا يُعزل بعضها عن بعض أو يُعمل ببعضها ويُعطّل بعضها الآخر، فإن فعلنا ذلك كانت الصورة مشوهة والحكمة غائبة والشُبهات حاضرة؛ ومن هنا أقول:-
إنّ تعدّد الزوجات تشريع ربّاني كريم فيه غايات وأهداف ومنافع عديدة، تشمل الرجال والنساء والمجتمع على نحو عام، يلجأ المسلم إليه عند الحاجة، لم توجبه الشريعة الغرّاء على أحد، وإنّما أباحته بشروط خاصة، ولأسباب داعية، والأصل فيه أنْ لا مانع من التعدّد وإنْ كانت الزوجة الموجودة صالحة وطيّبة ليس فيها مرض ولا علّة.
قال الله جلّ وعلا:ـ
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [سورة النساء: 3].
قال الشيخ الطنطاوي رحمه الله سبحانه:-
(فَإِنَّ خَفَاءَ المُرَادِ فِيْهِ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ إِيْجَازِهِ. وَالأَصْلُ: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوْا فِي اليَتَامَى لَوْ تَزَوَجْتُمُوْهُنَّ فَانْكِحُوْا مِنْ غَيْرِهِنَّ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) التفسير الوسيط (2/29).
فلم يكن التعدّد بدعة في دين الإسلام بل كان حكماً ثابتاً موجوداً في الشرائع والأمم السابقة دون ضوابط ولا حدود، فجاءت الشريعة الإسلامية الغراء فحددته بحدود وضوابط، فمثلاً ذكرت التوراة أن سيدنا داود عليه السلام كانت له تسع وتسعون زوجة وأكملها مائة، وأما سيدنا سليمان فكانت عنده ثلاث مائة زوجة، وسبع مائة جارية. يُنظر: سفر الملوك (3/11).
وجاء في الحديث الصحيح أنّ سيّدنا سليمان عليه السلام قال:ـ
(لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلٌّ تَلِدُ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومن القوانين القديمة التي أجازت تعدّد الزوجات قانون حمورابي البابلي، وقانون مانو الهندي، والفراعنة، وغيرها من القوانين الأخرى في كلّ الأمم والحضارات الغابرة، وبالتالي نستنتج بأنّ تعدّد الزوجات ليس خاصًّا بالشريعة الإسلامية بل هو تشريع قديم بقدم مؤسسة الزواج البشري، وسُنّة كونية ربّانيّة حتى في المخلوقات الأخرى، فمثلا النخلة الواحدة يؤخذ منها الطلع ويُلقح به عشرات النخلات، وهكذا سائر المخلوقات.
والتعدّد صورة من صور الابتلاء لبنات حوّاء عليها السلام ولا شكّ في كلفته عليهنّ لكنّه مُحْتَمَلٌ إنْ طُبِّقَ ضمن العيش في الظلال الوارفة للشريعة الغرّاء بالتمام والكمال اعتقادا وسلوكا وأحوالا.
فمَنْ منّا في حال صيامه لا يرغب بالطعام؟ ومع هذا فنحن نمتثل ونستجيب لتكليف الصوم.
ومنْ منّا لا يبذل المال على حبّه وحاجته في الحجّ والعمرة والزكاة — إلخ؟ ومع هذا فنحن نمتثل ونستجيب لهذه التكاليف، وسُمّيت بهذا الاسم لأنّنا نُكلّف أنفسنا تحمّل مشقّاتها المُحتملة.
قال الله جلّت حكمته:-
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا —} [سورة البقرة: 286].
ومِنَ التكاليف التي خصّ الله سبحانه بها المسلمات إيمانهنَّ واستجابتهنَّ لمشروعية تعدّد الزوجات؛ ولذا فالمؤمنات الصالحات المُحتسبات منهنَّ يمتثلنَ ويستجبنَ لذلك، وينلنَ الرضوان الأكبر؛ وليس شرطاً أنْ يحصل التعدّد، ولكن يُشترط الإيمان والرضا به حال حدوثه، كمَنْ يؤمن بتكليف الحجّ ومستعد لفعله حال استطاعته، وقد لا يستطيعه حتّى يموت فينال أجر إيمانه واستعداده.
إنّ الإيمان بالله جلّ في علاه وبقدره كفيل بأنْ يجعل المرأة راضية بحُكم الله تعالى، فهو القائل سبحانه:ـ
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [سورة الشورى: 49 – 50].
فلماذا لا يطيب القلب بقدره جلّ جلاله بدلا من أنْ ينكسر؟!
ولماذا لا نُساعد مَنْ نحبّ بأنْ تكون له ذرّية، قد نكون سببًا في تربيتها وصلاحها، وتكون لنا بهم غاية وهدف نبيل في هذه الحياة؟!
ثمّ أين نحن من قول الحبيب المصطفى صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا:ـ
(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
فلماذا لا تُقدّر المرأة ألم أختها التي لم تتزوج؟
لماذا لا تضع نفسها محل المحرومة منهنَّ لتشعر بشيء من معاناتها التي تُحل بالتعدّد؟
وينبغي أنْ نعلم بأنّ حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عدّد الزوجات، وكذا الصحابة الكرام رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، فالأمر فيه سعة والحمد لله جلّ وعلا.
إنّما المؤمن يحرص أنْ يعدل ويجتهد فيه بين زوجاته؛ فالتعدّد مباحٌ ولكن يقابله واجبٌ كبير، وهو العدل بينهنّ.
قد يفرح بعض الرجال بهذه الإباحة، ويعتقدها مِنحة ربّانيّة دون تكليف، والحقّ إنّه مباحٌ يستوجب واجبًا عظيمًا ثقيلًا وهو العدل.
قال الرحمة المهداة على حضرته من الله تعالى أفضل الصلاة وأجمل التحيات وآله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات:ـ
(مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
فلا يُسأل المسلم يوم القيامة عن عدم تمتعه بالمباحات، ولكنّه سيُسأل عن تقصيره في الواجبات، والحديث الشريف يصف حال مَنْ مَالَ إلى إحدى زوجاته فكيف بِمَنْ ظلم؟!
وهذا الحال الفاضح أمام الملأ جزءٌ مِنَ العقاب، ونذير شؤم عن بقية العقاب المُنتظر، نعوذ بالله تعالى مِنْ ذلك ومن كلّ سوءٍ وشرّ.
ولقد شرع الله عزّ شأنه ـ وهو العليم الحكيم ـ تعدّد الزوجات لحِكَمٍ ومصالح ظاهرة جليّة لمَنْ نوّر بصيرته وهدى قلبه للحقّ، بل إنّ الكثير من غير المسلمين أقرّوا بتلك الحِكَم أو بعضها على الأقلّ.
وإباحة التعدّد حاصلة لأسباب منها:-
1- معالجة حالة قلّة الرجال -لكثرة الحروب والفتن-، وكثرة النساء صيانة للنساء من التبذّل والحرمان والانحراف.
2- حاجة بعض الرجال لأكثر من زوجة.
3- ومنها أنّ الرجل قد يتزوّج امرأة صالحة غير أنّها عقيم، فلو لم يشرّع الله سبحانه التزوّج بثانية لكان بين أحد الأمرين الأمَرَّين:-
إمّا أنْ يطلّقها وهو لا يريد ذلك.
وإمّا أنْ يُمسكها من غير أنْ يكون له عَقِبٌ تقرّ به عينه في الدنيا وينتفع به في الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح التي هي نتيجة حتمية لتشريعات العليم الحكيم جلّ جلاله، كذا في حالة مرضها، أو سوء طباعها.
4- كراهية الرجل للمرأة أو العكس، إمّا بسبب نزاع بينهما، وبين أهليهما، فيشتدّ الأمر، ويتصلّب الطرفان، وتستعصي الحلول.
إذن: فالتعدّد أباحه الله عزّ وجلّ رحمة بالعباد وتحقيقًا لهذه المصالح العظمى التي تعود على الزوجين والأمّة بكلّ خير ومصلحة.
وأنبّه هنا إلى أنّ الله تعالى لمّا أباحه لم يُلْقِ له الحبلَ على الغارب وإنّما ضبطه بضوابط تكفل للجميع حقّه.
لكن أرى والله سبحانه أعلم أنّ ترك التعدّد أولى في عصرنا الحالي، خاصّة لمَنْ كان صاحب رسالة مباركة في الحياة، وذلك لكثرة المعوّقات المادية والروحية عند البعض، لغلبة الجهل وقلّة الإيمان وذات اليد.
أمّا مَن امتلك مقوّمات وغايات شرعية خاصّة، وكان على قدر طيّب مِنَ التقوى والوعي والحكمة والمقدرة المالية التي تؤهّله لإدارة بيتين، وكانت زوجته صالحة تتحمّل هذا التكليف، متفهّمة للفضائل المتعدّدة فيه، وقد هُدي إلى امرأة ثانية لا تقلّ عن الأولى وعياً وصلاحاً وبذلاً، فحكم التعدّد في حقّه هو الإباحة التي يتبعها واجب العدالة الخطير.
وأرجو لمزيد اطلاع مراجعة جواب السؤالين المرقمين (102، 899) في هذا الموقع الكريم.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يجعلنا موقنين بشرعنا الشريف، سبّاقين للعمل به، وأنْ يوفّق الرجال والنساء لما يحبّه ويرضاه، إنّه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى على خير زوج ومعلّم، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم.