6/6/2022

نص السؤال:

أنا موظفة في مستشفى أعمل في قسم الصادرة هنالك قوانين في المستشفى أي معاملة لا تختم صادر إلا بعد دفع رسوم قدرها خمسة آلاف من قبل المراجع، في بعض الأحيان المراجع يشكي من عدم امتلاك المبلغ فأقوم بالختم له مجانا من غير علم المدير، هل حرام ما أقوم به أم حلال؟

 

الاسم: فاعلة خير

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد.

الجواب باختصار:-

في التشريع الإسلامي تكون الدولة راعية لمواطنيها يتوجّب عليها ضمان أحوالهم في جوانب الحياة كافة، مثل الصحّة والقضاء والتعليم والأمن، فإنْ قصّرت في ذلك أو ظلمت فيجوز عندئذ مساعدة المريض المحتاج وتسهيل مراجعته من جميع الجوانب ومنها الكشف بالمجان أو تخفيض بعض الأجور دون علم المدير.

التفصيل:-

في البدء أرجو أنْ يبدأ السؤال بإلقاء التحية والسلام ففي ذلك أجر وخير عظيم، فعن سيّدنا عمران بن حصين رضي الله عنه قال:-

(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَشْرٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: عِشْرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ ذكره، وزاد في رواية:-

(فَقَالَ: هَكَذَا تَكُوْنُ الفَضَائِلُ).

كما ينبغي أنْ أوجّه لجنابك الشكر الجزيل لما تحملينه من رحمة وطيّبة تجاه الناس خصوصًا المحتاجين منهم، وما تملكينه من ورع مبارك يمنعك من مخالفة مرؤوسيك في العمل، وهذا من الأمانة والحفظ التي ينبغي أنْ يتصف بهما العاملون في القطاع العامّ والخاصّ، ومن بركات هذا الورع أنّك زرت هذا الموقع الميمون لتتعرفي على هدايات الحكم الشرعي في المسألة.

قال الله جلّ جلاله:ـ

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [سورة الأحزاب: 72].

وقال حضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-

(أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ —) متفق عليه.

إنّ الدولة في التشريع الإسلامي المبارك مسؤولة عن المواطنين، تكفل أحوالهم الصحيّة والمعاشيّة والأمنية، بل توفّر لهم حدّ الكفاية اللازمة لحياة رغيدة كريمة، وهذا ما تمّ في عصور السعادة المتقدمة حيث كانت الزكاة ترجع إلى بيت مال المسلمين لا يجدون مَنْ يأخذها؛ فيأمر الخليفة أنْ يُزوّج بها شباب المسلمين، أمّا حين ابتعد المسلمون عن دينهم الحنيف تولّى الحكم فيهم مَنْ لا يُحسن التدبير والسياسة على الرغم من اكتشاف الموارد الطبيعية الثمينة الهائلة المتنوعة؛ فأصاب الناس الشقاء والفقر، وزادت الحكومات عليهم العنت والبأساء بفرض الضرائب والرسوم، ومنها رسوم العلاج التي أثقلت كاهل الفقير وجعلته في حرج شديد؛ فتشملهم بذلك دعوة الأمين الصادق سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ

(اللَّهُمَّ مَنْ ولِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِم فَاشْقُقْ عَلَيْهِ) الإمام مُسْلِم رحمه الله جلّ وعلا.

فإذا تيسّر للموظف ـ خاصّة الذي يعمل في الجانب الصحّي المتعلّق بسلامة الإنسان وعافيته ـ فلا حرج من مساعدة المحتاجين، ومدّ يد العون لهم قدر المستطاع، من غير أنْ يجرّ ذلك إلى ضرر يلحق به، مهتدياً بقول الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ —) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1483) في هذا الموقع المبارك.

وينبغي على الحكومات أنْ يفكّروا في يوم يقفون فيه أمام الله تعالى الواحد الديان فيسألهم عن كلّ فرد من رعاياهم، فليحذروا أنْ يسمعوا هذا النداء الرهيب:-

{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [سورة الصافات: 24].

فالمرء سيُسأل عن نفسه وعمّن استرعاه الله جلّ في علاه وجعله تحت وصايته وكفالته، ومن هنا كان مقام الإمام العادل رفيعا جدا؛ فهو أول السبعة الذين يظلهم الله تعالى بظله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه جلّ جلاله وعمّ نواله.

قال نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:ـ

(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ —) متفق عليه.

فشتان بين حاكم شقّ على رعيته فهو يوم القيامة في خوف وحساب، وآخر كان عادلاً أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه، فهو في أمن ونعيم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.