10/5/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ، وأبارك لكم مقدم شهر رمضان المبارك، جعلنا الله وإياكم من صوّامه وقوامه.

لديّ سؤال متعلق بسلوك الطريق على يد الشيخ المربي.

الفقير أخذتُ إذنا من أحد المشايخ الكرام بالذكر، وأجازني كذلك ببعض الأذكار العامة أو الكتب كدلائل الخيرات، ومنذ ذلك الحين وأنا ألتزم تلك الأذكار والأوراد قدر الاستطاعة.

فهل مثل ذلك كافٍ في اندراجي ضمن السالكين؟ أم أنه لا بدّ من أخذ العهد والسلوك التام؟

أي: هل بمجرد الإجازة بالذكر دون العهد أكون قد خرجت من تحذير المشايخ والعلماء مِنْ أنّ مَنْ لا شيخ له كان الشيطان شيخه، وأنّ الفتح لا يأتي إلا بعد السلوك على يد شيخ مربّي؟ أم لا بدّ من العهد؟

علمًا بأني أرى ذلك الشيخ في بعض الأحيان في المنام في رؤى مباركة.

جزاكم الله خيرا، ولا تنسونا من دعواتكم

 

الاسم: عبد اللطيف الأحسائي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على دعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر.

الجواب باختصار:-

نعتزّ بكلّ المناهج الإسلامية المعتصمة بحبل الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، ولكنّ السير إلى الله جلّ في علاه يحتاج إلى معاهدة المرشد المجاز من الناحية العلمية والروحية لأنّها اعتقاد وأحكام.

التفصيل:-

إنّ لكلّ طريق دليلًا، وكلّما كان الطريق مهمًّا زادت أهميّة وجوده، وبما أنّ السير إلى الله جلّ جلاله هو أهمّ وأسمى الأهداف كان اتخاذ المرشد ضرورة، وقد حثّ الله جلّ وعلا على ذلك في قوله عزّ وجلّ:-

{— الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [سورة الفرقان: 59].

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (117) في هذا الموقع الميمون.

وهذا ليس نافلة من القول بل اعتقاد بوجود الروح وآثارها وطاقاتها الرئيسة (النفس، القلب، العقل) وكون المرشد موصولَ اليد بحضرة سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، بسلسلة ذهبيّة ترقى بالموضوع إلى مراتب شعائر الله تعالى العظيمة التي توقيرها وإكبارها من تقوى القلوب.

قال سبحانه:-

{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سورة الحج: 32].

ولذلك جاءت النصوص من الكتاب العزيز والسنّة النبوية الشريفة هادية إليها فرأينا الخيّرين الصادقين من السلف يلتزمون بها.

وها أنا ذا كأني أراهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم زرافات، ووحدانا نساء ورجالا، تؤمّ جموعهم سيّد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، مسترشدين بقول الله عزّ شأنه:-

{— وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [سورة النساء: 64].

مادّين قلوبهم قبل أياديهم بين يدي حبيبهم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، مستسلمين منقادين بكلّ صدق ويقين لأحكام الدين الحنيف، وبه استحقّوا نزول قول الله جلّ وعلا:-

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 10].

وقوله جلّ جلاله:-

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة الممتحنة: 12].

وقوله سبحانه:

{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [سورة الأحزاب: 23].

وبهذا الفضل بعد تحقيق الإيمان والالتزام بالأحكام كانوا أمّة واحدة عزيزة غالية إذا استغاثوا أغيثوا، وإذا دَعَوْا أجيبوا.

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [سورة الأنفال: 9].

وأيم الله تعالى إنّي من الداعين إلى هذا الخير العميم، والرشد الواضح العظيم.

قال عزّ من قائل:-

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة فصلت: 33].

وإنّ ممّا يؤلم القلب بل يدميه صورا شهدت بعضها وسمعتُ بِأخُرَ تدلّ على زهد المسلمين مع الأسف في تعظيم شعائر دينهم لدرجة جعلها محلّ التندُّر والسخرية، ومن هذه الصور التي شهدتها: شيخ (زعموا أنّه شيخ) يأتي بكميّة من الماء فيبصق فيها ثمّ يقول للحضور: اشربوا فقد أصبحتم سالكين، ولم يكتف بهذا بل قال: وأجزتكم بكذا وكذا من الأوراد والأذكار، فأين هذا من هدايات الكتاب الكريم والسنّة النبويّة المطهرة، وأيّ سقوط هوت فيه الأمّة حتى أطلقت على أمثال هؤلاء بالمشايخ؟ وعلى هذه الأفعال سلوكا وعهدا؟!

قال الحقّ جلّ ذكره:-

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 8].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود تقدّست أسماؤه.

ومع اعتزازي بكلّ المناهج الإسلامية المعتصمة بحبل الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، فالشيخ المربي (المرشد) له أوصاف تعينه على خدمة مريده في طاعة الله جلّ جلاله وعمّ نواله.

ولمعرفة ذلك أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1654) في هذا الموقع الكريم.

فالارتقاء بالحال يتطلّبُ سلوكَ طريقِ التزكيةِ تحت إشراف مرشد كامل موصول السند بحضرة خير البريّة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، حتى تخرج من تحذير المشايخ الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم، الذي أشرت إليه في سؤالك.

وهذا أمر يحتاج إلى أصول، منها:-

1- الاعتصام بالشريعة الغرّاء ظاهرًا وباطنًا.

2- ذكر الله سبحانه بالفكر والقلب.

3- أخذ العهد على يد الشيخ المرشد وملازمته بالأدب والطاعة.

ومِنَ الضروري لمَنْ أراد التشرّف بمنهج التزكية النبوية الشريفة أنْ يقرأ كتاب معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي وسندي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه.

ولا بُدّ أنْ أذكّر بأنّ السالك الصادق لسبيل الآخرة، طريق صريح الإيمان عليه أنْ يلتزم بأسباب ومقومات التزكية النبوية الشريفة، ولا يلتفت إلى المقامات والرتب الروحية بل شعاره دائما:-

(اللَّهُمَّ أَنْتَ مَطْلُوْبِي وَرِضَاكَ مَقْصُوْدِي).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وعلى وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.