16/5/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته…

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

الحمد لله الذي من علينا أنْ سلكنا واتصلنا بكم سيدي وتاج راسي الحمد لله على ان احيا قلبنا بالاتصال بقلبكم الحمد لله الذي من علينا ان حضينا في هذا الزمان بالاتصال بوارث خير الانام صلى الله عليه وسلم..

أما بعد اسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يحفظكم بحفظه ورعايته وأن يمن عليكم بالبركة في عمركم وزمانكم وإن يمن علينا أن نتمسك بطريقكم وان نعض عليه ونتقيد به لكي تتحرر أرواحنا من أنفسنا الأمّارة بالسوء وتصلح حالنا لكي نكون مع الله تعالى لمواجهة أنفسنا….

بارك الله تعالى لكم وعلى القائمين على هذا الموقع المبارك الذي نراه كبستان العلم ينهل منها كل الناس وينتفع به جزاكم الله عنا خير الجزاء وجعله في موازين حسناتكم…

السؤال.

ماهي مراتب القلوب؟

 

الاسم: عبد الله القاسمي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على تواصلك ودعواتك الصادقة، وأسال الله عزّ وجلّ لك التوفيق والسداد، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

القلوب ليست لها مراتب، ولكن أوصاف وتقلّبات.

فعن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّـهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

لأنّ المراتب تُشْعِرُ بالرسوخ والثبات، بينما التقلّبُ تُشْعِرُ بالتغيّرات، اللهمّ يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك.

والتقلّب هذا يكون سلبًا وإيجابًا، أي رُقِيًّا أو انتكاسًا عياذًا بالله تقدّس اسمه.

فمن حالات الرُّقيّ الإيجابيّ: أنْ يكون القلب منيبا، مخبتا، وجلا، خاشعا، لينا، ذاكرا، مطمئنا، وسليما.

ومن الحالات السلبيّة في القلب: أنْ يكون زائغا، مرتابا يكسوه الران، مريضا، غافلا، مقفولا، مطبوعا عليه، غليظا، وقاسيا.

ولكلّ من هذه الأوصاف دليله في ثنايا نصوص الشرع الشريف.

التفصيل:-

إنّ القلب أهمّ ما ينبغي أنْ يعتني به الإنسان لأنّه محطّ الخيرات كلها.

وأرجو الاستماع إلى المحاضرة التي بعنوان (القلب أغلى ما تملك)، والسؤال المرقم (1943) في هذا الموقع الكريم.

قال تعالى:-

{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء: 88 – 89].

قال حضرة الصادق المصدوق صلّى الله تعالى عليه وسلّم، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم:-

(إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وبصلاحه يصلح ما عداه، والعكس صحيح.

قال عليه أزكى صلاة وتحية، وعلى آله وصحبه خيار الأمّة المرضية:-

(أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ ‌صَلَحَ ‌الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) متفق عليه.

وسؤالكم متعلّق بالقلوب الصالحة وترقياتها، وهذا بيان لبعض أحوالها وصفاتها، مبنيًّا على الاجتهاد والاستنباط من نصوص الشرع الشريف، منها:-

 

أولا: القلب المنيب: وهو الذي يرجع إلى طاعة مولاه تعالى، ويقبل عليه، ويتوب عمّا بدر منه من التقصير والآثام.

قال جلّ جلاله:-

{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [سورة ق: 31 – 33].

 

ثانيا: القلب المخبت: فبعد أنْ أناب ورجع أخبت لربه تعالى، والاخبات الخضوع والانقياد والإذعان.

قال عزَّ من قائل:-

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الحج: 54].

 

ثالثا: القلب الوجل الخائف: وبعد أنْ خضع وأخبت لخالقه سبحانه استذكر ما كان عليه من التقصير في جنبه عزّ وجلّ، ومن التفريط في الطاعات، والانهماك في السيئات، فارتعد قلبه الصالح فرقا وخوفا من مولاه تعالى.

قال تبارك اسمه في الثناء على أصحاب هذه القلوب:-

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال: 2].

 

رابعا: القلب الخاشع: وبعد أن استملكه الخوف من الحق تعالى ظهرت ثمرات الخوف من ذرف الدموع، واقشعرار الجلود، وإظهار التذلل والانكسار بين يدي الواحد القهار جلّ في علاه.

قال سبحانه:-

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ —} [سورة الحديد: 16].

 

خامسا: القلب ذو السكينة: فلمّا أظهر الخشوع والانكسار بين يدي الجبّار تعالى، أنزل السكينة عليه وجبر كسره.

قال عزّ شأنه:-

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ —} [سورة الفتح: 4].

 

سادسا: القلب اللين: وبعد أن اقشعرت الجلود خشوعا لله تعالى، واستقبلت السكينة الممنوحة من ملك الملوك حصل آنذاك لين القلب وارتياحه وأنسه بربه ومربيه.

قال جلّ جلاله:-

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ —} [سورة الزمر: 23].

 

سابعا: القلب الذاكر: فلمّا لَانَ القلب وأَنِسَ بالله جلّ جلاله أقبل بكليته على ذكر مولاه وشكره سبحانه على ما أولاه.

قال جلّت صفاته:-

{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف: 28].

 

ثامنا: القلب المطمئن: فلمّا داوم على ذكر مولاه منحه الطمأنينة فحصل له الأمن ثقة بالله تعالى ورجاء لفضله سبحانه.

قال جلّت ذاته العليّة:-

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

 

تاسعا: القلب السليم: وبعد هذه الترقيّات يصل قلب العبد إلى أعظم الأوصاف، وهو القلب السليم، الذي اتصف به السعداءُ ومنهم سيّدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام إذ امتدحه تعالى فقال:-

{وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الصافات: 83 – 84].

أي: سليم ممّا سوى اللَّه جلّ جلاله، ليس فيه غير اللَّه تعالى. قوت القلوب (1/207).

فهنا يفنى العبد بمولاه جلّ وعلا، ولا يخطر في قلبه السوى، فيصرخ في أعماقه قائلا:-

(اللَّهُمَّ أَنْتَ مَقْصُوْدِي، وَرِضَاكَ مَطْلُوْبِي).

قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى:-

(الْفَنَاءُ عَنْ إرَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ، بِحَيْثُ لَا يُحِبُّ إلَّا اللَّهَ. وَلَا يَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ وَلَا يَطْلُبُ غَيْرَهُ؛ — وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ: {إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قَالُوا: هُوَ السَّلِيمُ مِمَّا سِوَى اللَّهِ أَوْ مِمَّا سِوَى عِبَادَةِ اللَّهِ. أَوْ مِمَّا سِوَى إرَادَةِ اللَّهِ. أَوْ مِمَّا سِوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهَذَا الْمَعْنَى إنْ سُمِّيَ فَنَاءً أَوْ لَمْ يُسَمَّ هُوَ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ وَآخِرُهُ. وَبَاطِنُ الدِّينِ وَظَاهِرُهُ) مجموع الفتاوى (10/218).

هذا والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، أزكى الناس قلبا، وأحسنهم فعلا، وأفصحهم قولا، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ما تعاقب الليل والنهار.