19/6/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته….

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظكم ويقويكم ومتعنا الله تعالى بعمركم تاج رأسي وشيخي ويبارك فيكم وبعمركم وجزاكم الله تعالى عنّا كلّ خير..

السؤال:-

ما هو القضاء والقدر؟ وهل نستطيع أنْ نغيّرهما؟

 

الاسم: عبد الله القاسمي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك، ودعواتك الطيبة وأسأله سبحانه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

لقد فرّق العلماء رحمهم الله جلّ وعلا بين القضاء والقدر في التعريف.

فالقضاء: علم الله تعالى بالكائنات من الأزل إلى الأبد على سبيل الإجمال. معجم مقاليد العلوم للإمام السيوطي رحمه الله عزّ وجلّ (ص: 73).

والقدر: إيجاد الله تعالى الكائنات على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأفعالها. دليل الفالحين (1/225).

التفصيل:-

إنّ الإيمان بالقضاء والقدر من المسائل المهمة في عقيدة المسلمين فهو من أركان الإيمان التي لا يتصف بها إلّا مَنْ أيقن وأذعن لها.

قال الحق جلّ جلاله:-

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ ‌خَلَقْنَاهُ ‌بِقَدَرٍ} [سورة القمر :49].

وسُئِلَ حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام عن الإيمان فقال:-

(أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ ‌بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

ولهذا صرح بعض ساداتنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين بكفر مَنْ لم يؤمن بالقدر، فهذا سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يُسْأَلُ عن قوم يقرؤون القرآن ويتقنون العلم، ولهم مرتبة عالية في الأعمال الصالحة غير أنّهم يزعمون أنّ لا قدر، فقال رضي الله تعالى عنه:-

(فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) الإمام مسلم رحمه الجواد المنعم جلّ في علاه.

قال الإمام النووي رحمه الله عزّ شأنه:-

(هَذَا الّذِي قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ظَاهِرٌ فِي تَكْفِيْرِهِ القَدَرِيَّة) شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله جلّ ذكره (1/156).

وقد فرّق بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى بين القضاء والقدر.

ومن هذه التفريقات ما ذكره الإمام السيوطي رحمه الله سبحانه في تعريف القضاء:-

(عِلْمُ اللهِ تَعَالَى بِالكَائِنَاتِ مِنَ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ عَلَى سَبِيْلِ الإِجْمَالِ) معجم مقاليد العلوم (ص: 73).

فالقضاء على هذا التعريف هو العلم الأزلي قبل إيجاد الشيء المستمر إلى الأبد؛ لأنّ علمه تعالى لا يتبدل.

وهذا يدلّ عليه قوله جلّت قدرته:-

{وَإِذا ‌قَضى ‌أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [سورة البقرة: 117].

فقد جعل القضاء سابقا للإيجاد والتكوين.

وقوله جلّت ذاته العلية:-

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي ‌قَضى ‌عَلَيْهَا ‌الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} [سورة الزمر :42].

فقبض الروح مسبوق بقضاء أزلي من الحق جلّ جلاله حُدِّدَ فيه زمان ومكان وحالة هذا القبض.

وقوله:-

(عَلَى سَبِيْلِ الإِجْمَالِ) بمعنى: أنّ القضاء هو الحكم الإجمالي دون الحكم التفصيلي، وهذا يدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) متفق عليه واللفظ للإمام مسلم رحمه البر المنعم سبحانه.

فإنّها كتابة مجملة بدليل حصرها بأربع كلمات دون تفصيلها.

وأمّا تعريف القدر فقد عرّفه الإمام ابن علان رحمه الرحمن عزّ شأنه فقال:-

(القَدَرُ: إِيْجَادُ اللهِ تَعَالَى الكَائِنَاتِ عَلَى قَدَرٍ مَخْصُوْصٍ وَتَقْدِيْرٍ مُعَيَّنٍ فِي ذَوَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا) (دليل الفالحين (1/225).

فالقدر هو إيجاد الموجود على ما قضاه الحق سبحانه في الأزل مع تفصيل في كيفيات إيجاده، ويدلّ على هذا التعريف قوله تبارك اسمه:-

{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ‌فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [سورة الفرقان :2].

فالتقدير مقارنٌ للخلق والإيجاد.

هذا وقد يستعمل أحدهما مكان الآخر فمثلا قوله تعالى جده:-

{‌فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [سورة فصلت: 12].

فالقضاء هنا بمعنى الخلق للسموات وإيجادهن.

وقوله سبحانه:-

{وَالَّذِي ‌قَدَّرَ ‌فَهَدى} [سورة الأعلى: 2].

محتمل لِأَنْ يكون للإرادة الأزلية التي أرادها الحق تعالى فهدى الخلق لما أراد سبحانه.

وعلى كلّ حالٍ فالمسلم مطالب أن يؤمن بالقضاء والقدر إيمانا يقينيا على حسب فهمه وطاقته، ولا يطالب بأكثر من ذلك، ولهذا نهى حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشرف وعظم عن الخوض في دقائق مسائلهما والتنازع فيها.

فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:-

(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيهِ) الإمام الترمذي رحمه الحق عزّ شأنه.

وأمّا السؤال عن إمكانية تغييرها فقد سبقت الإجابة عنه في السؤال المرقم (2823) في هذا الموقع المبارك فأرجو مراجعته.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على خاتم النبيين، وإمام المتقين، سيّدنا محمّد، وعلى آله الطيبين، وصحابته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.