29/6/2022
نص السؤال:
إنْ كانت الفتاة قد تعرّضت للتحرّش أو الاغتصاب في طفولتها، وقد حرمت من طفولتها البريئة بأحداث جنسية كثيرة، ولم يقم أي أحد بحمايتها، وعندما بدأت تكبر وتنضج بدأت تعرف أنّ الحجاب غرضه للحماية من الوقوع في أذى كهذا.. وتسأل نفسها كيف تتم حمايتها وقلبها مفطور أساسًا بسبب هذه الأشياء المريعة التي مرت بها؟؟
الاسم: مجهول
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
الابتلاء طبيعة هذه الحياة الدنيا الفانية، والمسلم العاقل لا بُدّ له أنْ يكون قوياً، لا تحبسه العلائق القديمة، ولا تكسره العوائق الحديثة، خصوصاً ما كانت خارجة عن إرادته وقدرته، والحقّ أحقّ أنْ يُتّبع مهما حصل لنا من ضرر أو إساءة حتى لو صدرت من أقرب الناس إلينا أو ممّن يدعي الصلاح فينا، إذ الرجال تُقاس بالحقّ، ولا يُقاس الحقّ بالرجال، ومن تفاصيل الحقّ الذي جاء به شرعنا الشريف فريضة الحجاب للنساء تكريماً وصيانة لهنّ، وفي هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2880) في هذا الموقع المبارك.
لا شكّ أنّ شريعتنا الغرّاء شاملة كاملة حوت كلّ معاني الجمال والكمال لتفاصيل الحياة في جميع أطوارها، وأعطت لكلّ ذي حقّ حقّه، كما حدّدت الواجبات المُناطة بالمسلم كلٌّ بحسب عمره ومركزه، ومن ذلك واجبات الوالدين أو مَنْ ينوب عنهما حال فقدهما تجاه الأطفال المحتاجين للعناية والرعاية بكلّ صورها.
ولم يغفل الشرع الشريف ـ حاشاه ـ عن ذكر الأطفال في أحكامه الكريمة، ومن ذلك قوله عزّ شأنه:ـ
{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة النور: 59].
فالآية الكريمة أنموذج للأحكام الفقهية والتربوية المتعلّقة بالأطفال، وهكذا يبيّن الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بيّن لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يقول: والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيم في تدبيره لأمور خلقه. يُنظر تفسير الإمام الطبري رحمه الله تبارك اسمه
وفي متون المصادر الفقهية مباحث عديدة حول الأطفال مذ كونهم أجنّة في بطون أمهاتهم إلى أنْ يبلغوا الحُلم، بيانٌ لرعاية الشريعة الغرّاء بهم.
أمَّا إذا غفلت الأسرة أو قصّرت بسبب الجهل أو الإهمال، وشاع الأمر واتّسع، كما هو الحال في هذا الزمان، فأرجو الإفادة من جواب السؤال المرقم (1235) في هذا الموقع الميمون.
ومن واجب العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم وكلّ مَنْ يستطيع الإسهام في خدمة أمّته أنْ ينشر هذه المفاهيم المهمّة التي تسلّط الضوء على هذا الموضوع الخطير، وإنّ ممّن يُسهم في ذلك غالبا كما نُشاهد في الواقع أشخاص كانوا سابقا ضحايا هذه الأفعال الشنيعة، فبصبرهم وشجاعتهم تحولوا إلى طاقات إيجابية تعمل على نشر المفاهيم الصحيحة ومحاربة الأسباب الداعية لتلك الرذائل والأخطاء المُتنوعة التي تُخلف ضحايا تعاني نفسياً وروحياً، وتترك نتائج خطيرة على الأسر والمجتمعات.
وأهيب بجنابكِ الكريم أنْ تكوني من تلكم الشخصيات الشجاعة التي تسمو على جراحاتها لتستلهم من الله تعالى بالتوكّل عليه سبحانه طاقة التغيير والتذكير، والتبصير للآخرين لتُسهم في نشر الوعي الإسلامي والتربوي العفيف.
إنّ الأخطاء التي نمرّ بها أو نشاهدها عند الناس ينبغي ألّا تعوقنا عن المضيّ في طلب الحقّ والثبات عليه.
قال الله جلّ جلاله:ـ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة المائدة: 105].
قال المفسرون رحمهم الله جلّ وعلا:ـ
(يَقُوْلُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الّذِيْنَ آمَنُوْا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فَأَصْلِحُوْهَا، وَاعْمَلُوْا فِي خَلَاصِهَا مِنْ عِقَابِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَانْظُرُوْا لَهَا فِيْمَا يُقَرِّبُهَا مِنْ رَبِّهَا، فَإِنَّهُ “لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ”، يَقُوْلُ: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ كَفَرَ وَسَلَكَ غَيْرَ سَبِيْلِ الحَقِّ، إِذَا أَنْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَآمَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ، وَأَطَعْتُمُوْهُ فِيْمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيْمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَحَرَّمْتُمْ حَرَامَهُ وَحَلَّلْتُمْ حَلَالَهُ) تفسير الإمام الطبري رحمه الله العليّ سبحانه.
ومن مقومات الشفاء النفسي قراءة القرآن الكريم، والتشرّف بصحبة الصالحين من النّاس والانشغال بالأمور النافعة كالاطلاع على هذا الموقع الكريم وما فيه من هدايات مباركة مسموعة ومقروءة، وغير ذلك من الأعمال الصالحات التي تُثمر نورا يطرد الظلمات القابعة في أغوار النفس، مع مراعاة سلامة الصدر من الآخرين إذ كانوا سبباً لذلك الألم القديم بسبب تقصيرهم أو غفلتهم.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجبر كسركم، ويطيّب بالحق والنور قلبكم، ويستبدل الأسى حبورا والحزن سرورا، وأنْ تحلّ بعد النكسة نهضة وهمّة تأخذ بكم إلى العلياء والفخار.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على النبيّ المختار وآله وصحبه الأبرار وسلّم تسليمًا كثيرًا ما أعقب الليل النهار.