19/5/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الله يحفظكم حضرة الشيخ ويرضى عنكم ويشرفني بلقائكم. 

هل فرض الحجاب على النساء في وقت وزمن معين مثل ما يتداوله البعض؟ وهل كان النساء في ذلك الوقت يضعن على رؤوسهن الحجاب حتى قبل نزول الآية الكريمة؟ وإنها نزلت لتغطية منطقة الصدر فقط أم نزلت الآية للبس الحجاب بصورة صحيحة وتغطية الشعر والرقبة ومنطقة الصدر؟

وهل الحجاب مفروض على نساء كل الأزمان؟ وما هو الدليل؟

لقد اختلط الأمر عندي بسبب بعض الأقاويل وهذه الأسئلة التي ذكرتها وأنا أريد أن أتقرّب من الله عزّ وجلّ لا الابتعاد عنه وأخاف من فعل شيء يعارض أوامره وبدأت تجول خواطر في نفسي على الأغلب هي خواطر سوء والحمد لله الذي هداني إلى موقع حضرتكم لأني آخذ بنصائحكم وتوجيهاتكم الطيبة وإنْ شاء الله تعالى يذهب ما في نفسي عند تلقي جوابكم.

جزاكم الله عنا خيراً

 

الاسم: سائله

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على دعواتكِ الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقكِ لكلّ خَيْر.

الجواب باختصار:ـ

الحجاب فرض على المسلمة البالغة المكلفة في كلّ مكان مذ نزل التشريع الشريف بذلك إلى قيام الساعة؛ وذلك لصيانتها وإتمام عفتها الباطنة بظاهرها الجميل الدال عليه، وهذا مما أجمعت عليه الأمة لثبوت النصوص الشريفة العديدة من القرآن الكريم والسُنّة المطهّرة.

التفصيل:ـ

جزاكِ الله عزّ وجلّ خيرًا لحرصكِ على دينك الحنيف، ورغبتكِ الصادقة في التقرّب إلى الله سبحانه بطاعته ولزوم أوامره؛ وما ذاك إلّا لنور قذفه الله جلّ جلاله في قلبكِ فأنشرح منه صدركِ إلى هدايات الحقّ والصلاح.

في البدء ينبغي للمسلم والمسلمة أنْ يختار الصحبة الصالحة الطيّبة التي تدلّه على الخير وتعينه عليه، وترك الصحبة والمحيط الذي تُثار فيه الشبهات والأهواء وتجذب المرء إلى الشرور والمخالفات؛ وفي هذا الباب المهم أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1838) في هذا الموقع المبارك.

لقد أجمعت الأمّة الإسلامية سلفًا وخلفًا على وجوب الحجاب، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، والحجاب لا يعدّ من قبيل العلامات التي تميّز المسلمين عن غيرهم، بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزء من الدِّين الحنيف، والنصوص الشريفة التي تؤكّد فرضية الحجاب على المرأة المسلمة البالغة كثيرة.

فمن القرآن الكريم قول الله عزّ وجلّ:ـ

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب: 59].

وقال المفسّرون رحمهم الله تعالى في الجلباب:ـ

(الجِلْبَابُ: ثَوْبٌ وَاسِعٌ أَوْسَعُ مِنَ الخِمَارِ وَدُوْنَ الرِّدَاءِ تَلْوِيْهِ المَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا وَتُبْقِي مِنْهُ مَا تُرْسِلُهُ عَلَى صَدْرِهَا) تفسير الكشاف للزمخشري رحمه الله عزّ وجلّ.

ولقد سبق أنْ تمّت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة المذكورة، فأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1695، 1740، 2632) في هذا الموقع الكريم.

ولم يكن الحجاب في الإسلام بدعة بل ثبتت فرضيته في الديانات والأمم السابقة، ويمكن مراجعة كتاب “الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية” وغير ذلك ممّا كُتب في هذا الخصوص، ولا تزال هناك أفلام وثائقية قديمة للشعوب في المملكة المتحدة وأوروبا تظهر النساء النصرانيات واليهوديات يرتدين الحجاب، بل الأمر أبعد من ذلك فالحجاب مذكور في القوانين القديمة كالقانون الآشوري وغيره، ولا عجب في ذلك فهي فطرة الله تعالى التي فطر المرأة عليها إذ هي تميل للحشمة والستر والعفاف، ولا شك فلأنّها غالية لا ينبغي أنْ تكون محلاً مباحاً للنظر المطلق من الجميع خصوصا بوجود مَنْ في قلبه مرض.

قال الله جلّ جلاله:ـ

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [سورة الأحزاب: 32].

وفي السياق القرآني تأتي الآية خاصة ويُراد منها العموم؛ خصوصا وقد جاء بعدها الخطاب عاما.

قال الله عزّ وجلّ:ـ

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب: 35].

وإنّ السفور والتبرّج لا يتناسب تماما مع هذه الصفات والفضائل التي ذكرتها الآية الشريفة عن المسلمات والمؤمنات، فضلا أنّ الآية جاءت حول الخضوع بالقول لسدّ الذريعة عن مرضى القلوب، ومنع هيجان نفوسهم الأمّارة بالسوء، وقطع الأذيّة المتوقعة منهم، كما قال الله تعالى في آية الحجاب المذكورة أعلاه.

أسأل الله عزّ شأنه لجنابك ولجميع النساء تمام العفّة والحفظ، وأنْ يشرح صدوركنّ لنصوص الشرع الشريف الهادية لتكريمكنّ بما يوافق فطرتكنّ اللطيفة لتحقيق غاية وجودكنّ في هذه الحياة الدنيا استعدادًا لحياة التكريم والسعادة الأبدية في دار الخلود والنعيم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.