29-8-2020
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيّدي حفظك الله تعالى ورعاك أقبّل يديك ورجليك وبارك الله تعالى في عمرك ووقتك وعلومك وحفظ الله تعالى لنا هذا الموقع المبارك وبفضل الله تعالى فإنّ فوائده لا تعد ولا تحصى ونرجو دعاءك وتوجهك لنا فإننا بحاجة إليك سيّدي والحمد لله أنا لديّ من الأولاد أربع بنات وقد سعيت أنا وأهلي بتربيتهن ورعايتهن من الرزق الحلال والتوجيه المستمر والنصيحة والحث على الإقبال على الإسلام العظيم وتصغير الدنيا الفانية، بنتي الكبيرة عندما أقبلت على الدراسة المتوسطة وجهتها على الحجاب فتقبلت ذلك والحمد لله وهي كذلك تقوم بأداء الصلاة والصوم ولكن هناك بعض الخلل من تأخير وقت الصلاة وغيرها من الأمور مع نصحي المستمر والحمد لله تعالى فهي ذات أخلاق عالية تسر الوالدين، أما بنتي الثانية بعدها بالعمر مباشرة عندما وصلت إلى المرحلة المتوسطة وعندما وجهتها إلى الحجاب رفضت ووعدتني أنها ستتحجب مع العلم أنها تقوم بأداء الصلاة والصيام والحمد لله تعالى ذات أخلاق عالية تحمد عليها من قبل المدرسات والأقربين مع استمراري لها بالنصيحة والإرشاد والإقبال على هذا الحجاب سيّدي هل أجبرها على ارتداء الحجاب وإذا لم ترضَ بذلك وأنا لن أجبرها هل أنا آثم؟
حفظك الله تعالى سيّدي وأرجو دعاءك لي ولأهلي ولبناتي بالإيمان الكامل والستر المبين ورضا الله تعالى ورسوله محمد صلّى الله تعالى وسلّم عليه، وأنْ يحفظنا المولى العزيز الرحيم وأهلنا وجميع المسلمين والإنسانية من شرّ هذا الوباء، وأنْ تستمر الصلوات في المساجد والأذكار وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
من: موفق سعد الله يوسف
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
منحكم الله جلّ وعلا ما هو أهله على صالح دعواتكم وصادق رجائكم، وخادمكم يدعو لكم بأنْ يحفظكم المولى عزّ وجلّ، ويرعاكم، ويكرمكم بخيري الدنيا والآخرة، ورضي الله تعالى عنكم لمروركم العطر بهذا الموقع المبارك، وبعد:-
لا بُدَّ لخادمكم أنْ يضع بين يدي الجواب بعض المعلومات التي تفيد جنابك الكريم فيما يخصّ الحجاب لتكون قاعدة بسيطة من العلم تتسلّح به في عرض الموضوع على بناتك حفظهنّ الله سبحانه بلطف ورحمة وحكمة لتحصل لهنّ القناعة والقبول بإذن الله تقدّست أسماؤه.
لقد كفل الإسلام للطفل حقوقا كثيرة، ومنها حقّ التعليم، فأوجب على الآباء والأمهات وسائر الأولياء تعليم الصغار ما يلزمهم قبل وبعد البلوغ، تمسّكًا بهدايات قول الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله الباري جلّ وعلا.
فينبغي أنْ يتعلّم الأولاد ما تصحّ به عقيدتهم من إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله عليهم الصلاة والسلام واليوم الآخر، وما تصحّ به عبادتهم وغير ذلك من الأمور الضرورية المتعلّقة بجانب الأخلاق والمعاملات.
والحجاب من الأمور المهمّة التي تخصّ البنات من الأولاد، ولذا ينبغي أنْ يحرص الأبوان على تعليمهنّ فرضه وضرورته وفوائده العديدة، بل وتعويدهنّ على لبسه منذ الصغر ليتعوَدْنَ عليه، فيسهل عليهنّ إذا كبرنَ.
لقد تعبَّد اللهُ سبحانه النساء المؤمنات بفرض الحجاب عليهنّ، أمام الرجال الأجانب عنهنّ، تعبّدًا يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه؛ وعلى المؤمنات منهنّ الاستجابة والالتزام بما افترضه عليهنّ من الحجاب والستر والعفّة والحياء، قال الله عزّ شأنه:-
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [سورة الأحزاب: 36].
إنّ حجاب المرأة المسلمة فرض على كلّ مَنْ بلغت سنّ التكليف، وهي السنّ التي ترى فيها الأنثى علاماته، وهذا الحكم ثابت بالكتاب الكريم والسُنّة المشرّفة وإجماع الأمّة، قال الله تبارك في علاه:–
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ —} [سورة الأحزاب: 59].
وقال جلّ جلاله:–
{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [سورة النور: 31].
والمراد بالخمار في الآية الشريفة هو غطاء شعر الرأس، وهذا نصّ من القرآن الكريم صريح، ودلالته لا تقبل التأويل لمعنى آخر، وفي السُنّة المباركة نتشرّف بتوجيه النبيّ الكريم على حضرته وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم للسيدة أسماء رضي الله تعالى عنها وعنكم إذ قال:-
(يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
ويقول صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أيضًا:-
(لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَار) الإمام أبو داود رحمه المعبود عزّ وجلّ.
ولقد أجمعت الأمّة الإسلامية سلفًا وخلفًا على وجوب الحجاب، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، والحجاب لا يعدّ من قبيل العلامات التي تميّز المسلمين عن غيرهم، بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزء من الدِّين الحنيف.
صحيح أنّ للأب على ابنته الولاية الشرعية، وله شرعًا أنْ يأمرها بالحجاب ولكن من غير قهر أو عنف، بل باستخدام أساليب التربية الإسلامية المبنيّة على عدم الإكراه والعنف، وإنّما على الرحمة واللطف، قال تعالى:-
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 159].
لذا يجب على الأب أنْ يستخدم الرفق مع ابنته عندما يريد أنْ يقنعها بارتداء الحجاب، مهتديًا بتوجيه الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وعليه لا بُدّ أنْ يتعامل الأب مع ابنته بالحكمة بعيدًا عن القسوة والغلظة والشدّة، فإنْ لم يستطع إقناعها على ارتداء الحجاب فعليه أنْ يتركها كما هي مع استمراره بنصحها دائمًا بين فترة وأخرى عارضًا لها فوائد الحجاب في الدنيا والآخرة، ومحذّرًا من الشرور التي تأتي بتركه، مع التأكيد على عدم رضاه بتركها ارتدائه، وما يتبع ذلك من سخط الله جلّ جلاله تحقيقا لقول النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:-
(رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجل.
ويمكن لجنابك أنْ تُحبّب لبناتك الحجاب إذ فيه حِكَمٌ وأسرارٌ عظيمة، وفضائل محمودة، وغايات ومصالح كبيرة، فتذكر لهنّ منها:-
1ـ حفظ العِرض: فالحجاب حِرَاسةٌ شرعية لحفظ الأعراض، ودفع أسباب الرِّيبة والفتنة والفساد.
2ـ طهارة القلوب: فهو داع إلى طهارة قلوب المؤمنين والمؤمنات، وعمارتها بالتقوى، وتعظيم الحرمات، وصَدَق الله سبحانه القائل:–
{ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [سورة الأحزاب: 53].
3ـ مكارم الأخلاق: لأنّه يدعو إلى مكارم الأخلاق من العفّة والاحتشام والحياء والغيرة، ووسيلة تُساعد على منع ما تقابلها كالتبذّل والتهتّك والسُّفالة والفساد.
4ـ علامة على العفيفات: فالحجاب علامة شرعية على الحرائر العفيفات في عفتهنّ وشرفهنّ، وبُعدهنّ عن دنس الريبة والشك، قال الله سبحانه:-
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب: 59].
ذلك إنّ صلاح الظاهر علامة على صلاح الباطن، وإنّ العفاف تاج المرأة، وسرّ جمالها الحقيقي.
5ـ الحجاب حصانة ضد الزنا والإباحية، فلا تكون المرأة إناءً لكلّ والغ بنظره الذي يكون مقدّمة لسوء أكبر؛ فالنظر رسول الزنا وممهّد له، قال الله جل وعلا:-
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [سورة الإسراء: 32].
وقال حضرة النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين فيما يرويه عن ربّه الرحيم تبارك اسمه العظيم:-
(إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا من مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ شانه.
6ـ حفظ الغيرة: وهي السياج المعنوي لحماية الحجاب، ودفع التبرّج والسفور والاختلاط، والغيرة هي: ما ركّبه الله تعالى في العبد من قوة روحية تحمي المحارم والشرف والعفاف من كلّ مجرم وغادر، وهي في الإسلام خُلقٌ محمود، وجهاد مشروع، لقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:–
(إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.
كما يُمكن أنْ تذكر لهنّ ما يلي:-
* إنّ المتبرّجة تُسهم في نشر الفاحشة قال الله تعالى:-
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النور: 19].
* إنّ التبرّج من صفات أهل النار -عياذا بالله سبحانه- قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
* إنّ التبرّج نفاق، قال النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:-
(— وَشَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِلَّاتُ وَهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ —) الإمام البيهقي رحمه الله الولي جلّ ذكره.
* إنّ التبرّج تهتك وفضيحة، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَا مِنَ امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّت صفاته.
فتوكّل على الله تعالى وابدأ باسمه جلّ جلاله، فأيّ هدف تسعى إليه باسم الله تُدركه بإذن الله سبحانه طالت الفترة أم قصرت، وأنّ الله جلّ وعلا لا يضيع عمل عامل، وسترى بإذنه عزّ وجلّ صلاحهنّ وبرهنّ لك في الدنيا والبرزخ والآخرة، وهنيئًا لكم بشارة الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا:-
(مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ (بنتين) حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ. وَضَمَّ أَصَابِعَه) الإمام مسلم رحمه الله جلّت قدرته.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1695، 2568) في هذا الموقع المبارك.
وفّقكم الله تعالى لكلّ خير وحماكم من كلّ شرّ.
والله سبحانه أحكم وأعلم.
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.