25/7/2022

نص السؤال:

اللهمّ صلِّ وسلّم على سيّدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

قبل كلّ شيء أودّ أنْ أشكر كلّ القائمين على هذه الصفحة الطيّبة والتي من خلالها فتحت لنا أبواب الإجابات على بعض الأسئلة الدينية والتي تخص عقيدتنا.

أنا والحمد لله قد تعرفت على فتاة وأردت خطبتها لكن حينما تكملت معها صارحتني بحادث قد أصابها لمّا كانت تدرس بالجامعة وهو أنّها كانت في علاقة مع شخص قد أغواها بمعسول الكلام ولمّا ندمت وأصرّت على الابتعاد عنه قام باغتصابها … هي الآن تقسم بالله جلّ وعلا أنْ لا دخل لها بهذا وأنا صراحة صدّقتها وقد أتممت في قراري وهو الإكمال في نيّة الخطبة.

أرجو من فضيلتكم المحترمة أنْ تساعدني وتقول لي هل هذا الشيء صحيح أم لا؟ وكيف أتغلّب على الوسواس إنْ أمكن؟

 

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:ـ

ينبغي للمسلم أنْ لا يتسرّع في موضوع الزواج، لأنّه مكلّف ببذل الجهد لتحقيق الاختيار الأفضل، وهذا يتطلّب إعمال الفكر والنظر في صفات مَنْ ينوي الارتباط بها، وإلى العائلة والبيئة التي نشأت فيها.

وقد تتعرّض الفتاة للاغتصاب في حالة الصغر أو الجهل، فإذا تبيّن صدق توبتها فينبغي مساعدتها على نسيان الماضي والستر عليها، ففي هذا أجر عظيم، وتخلّق بالصفات الربانية؛ فالله عزّ وجلّ ستّير يحبّ الستر.

وينبغي التأكّد من صدق نواياك، وسعة صدرك وعقلك، والتوكّل على الله تعالى للإقدام على هذه الخطوة التي لا تتحمّل التردّد أو الشكّ فهذا مدخل للشيطان يحاول به تدمير العلاقة الزوجية التي ستُبنى على الحلال.

التفصيل:ـ

إنّ الزواج في الإسلام مشروعٌ ذو شأن عظيم في حياة الفرد والأسرة والأمّة، وله انعكاساته الكبيرة في الأولى والآخرة، وهو آيةٌ من آيات الله عزّ وجلّ القائل في محكم كتابه العزيز:-

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].

وكما أنّ المسافر يبحث في سفره عن صاحب صالح يأمن إليه ويستعين به، فكذلك هنا يجب أنْ يختار مَنْ يصحبه في سفره القصير في هذه الدنيا الفانية.

وخير أصحاب المرء زوجته التي هي مؤنسته، وأمينة بيته، ومربية أولاده، وعونه على مشواره العملي في الحياة، ومعراجه الروحي إلى الله جلّ في علاه القائل:-

{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [سورة البقرة: 187].

وقال سَيِّدُنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

وَقَالَ:-
(تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وعليه ينبغي للمسلم العاقل أنْ يجتهد في بحثه عن صاحبته التي يروم بناء أسرته معها؛ صحيحٌ أنّه ليس في الشرع الشريف ما يمنع الزواج من فتاة غير عذراء، خاصّة إذا كانت بريئة لا ذنب لها فيما حصل لها، فقد تفقد الفتاة عذريتها لسقوط حادّ مثلا، أو لتدفق شديد للحيض، أو لاغتصاب لا ذنب لها به، أو لغير ذلك من الحوادث التي قد تسبب ذلك قهراً، ولكن من حيث العموم فإنّ سيّدنا النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه رغَّب في نكاح الأبكار.

فهذا سيّدنا جابر قد مات والده رضي الله تعالى عنهما وترك له أخوات فلم يتناسب حاله والزواج من بِكر صغيرة في مثل أعمارهن، ورَغِبَ بثيِّب تقوم على خدمتهنّ ورعايتهنّ، فوافقه حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.

عَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-

(هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ. أَوْ قَالَ: خَيْرًا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
إنّ الشريعة الغرّاء تُفرّق بين مَنْ تذهب طوعًا إلى الفواحش والمنكرات -عياذا بالله تعالى- فتفقد بكارتها وخُلُقَها وتؤثّر سلبا في أسرتها ومجتمعها، وبين التي تعرّضت لتلك الحوادث، والعبرة بصلاحها بعد ذلك، وبتقواها لله تبارك اسمه.

فإذا ما أراد المسلم الزواج من فتاة فقدت عذريتها بسبب من تلك الأسباب المذكورة فأرجو أنْ يكون له أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ عند الله جلّ في علاه، فقد ستر على فتاة مسلمة منكسرة.

وينبغي للمسلم بعد الستر والإكرام ألّا يعود إلى تذكيرها، فإنّ له بذلك أجرا عظيما، وثوابا كبيرا، وأنْ يُبقي هذا الأمر سرًّا في كلّ الأحوال، سواء تمّ الزواج أو لم يتم.

قال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

وفي حالة العزم على بناء الأسرة لا ينبغي الالتفات إلى الوراء والاستسلام للشكوك التي يبثّها الشيطان محاولة منه لهدم الأُسر التي تُبنى على الحلال الذي يحبّه الله جلّ وعلا.

ولمزيد اطلاع على أضرار الشك وأثره على العلاقة الزوجية أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2712) في هذا الموقع الميمون.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.