15/2/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي لحضراتكم:

هو ما معنى الحضرة عند السادة علماء التصوّف نسمع عند بعض الطرائق الصوفية أنّ الحضرة هي الشيخ المرشد، وعند البعض الآخر أنّ الحضرة هي حضرة إلهية عظمى، وعند البعض الآخر حضرة ملائكية، فماذا تعني شيخنا العزيز جزيتم خير الجزاء؟

 

الاسم: صهيب العكيدي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعائك الطيّب، وأسأل الله جلّ في علاه لك بمثله إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

الجواب باختصار:-

الحضرة جاءت من الحضور بين يدي الله جلّ جلاله.

التفصيل:-

قال أهل اللغة:-

(حَضْرَةُ الرَّجلِ: قُرْبُه وفِنَاؤه. وَفِي حَدِيث عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ الجَرْمِيّ: (كُنّا بحَضْرةِ ماءٍ) أَي عِنْده. وكلَّمْتُه بحَضْرَةِ فُلان، وبمَحْضَرٍ مِنْهُ، أَي بمَشْهَد مِنْهُ.

قَالَ شيخُنا: وأَصْل الحَضْرَة مَصْدرٌ بِمَعْنى الحُضُور، كَمَا صَرَّحوا بِهِ، ثمّ تَجَوَّزوا بِهِ تجَوُّزاً مَشْهُوراً عَن مَكانِ الحُضُور نَفْسِه، ويُطْلَق على كُلِّ كَبِير يَحْضُر عِنْده النَّاسُ، كقَولِ الكُتَّابِ أَهْلِ التَّرسُّل والإِنشاءِ: الحَضْرةُ العَالِيَةُ — وَفِي التّهْذِيب: الحَضْرَة: قُرْبُ الشَّيْءِ. تَقول: كُنْتُ بحَضْرَةِ الدّارِ) تاج العروس (11/39).

وَقال الدكتور أحمد مختار رحمه العزيز الغفّار عزّ شأنه:-

(حَضْرَة [مفرد]:

1- وجودٌ وحضورٌ خلاف غَيْبة “تسلّم الجائزة في حَضْرَة الملِك”.

2- قُرْبٌ “كنتُ بحَضْرَة الدَّار/ فلان” حَضْرَة الرَّجل: فناؤه.

3- مكان الحضور “جلست بحضرة شيخي/ أستاذي: بالمكان الذي هو حاضر فيه”.

4- وليمة، طعام المأدبة “صنع حضرةً بمناسبة شفاء ابنه”) معجم اللغة العربية المعاصرة (1/514).

فكلمة (حضرة) عربيّة وهي من ألقاب الفخامة والتبجيل، تطلق بشكل عامّ على مَنْ يُرادُ توقيره واحترامه، وهذا ما يفعله كثير من الناس عندما يدعون أو يخاطبون أحدًا فيقولون: حضرة السيّد فلان، ولا علاقة لهذه الكلمة بالألقاب الشرعية.

أمّا المعنى الخاص لها، فهي كلمة تطلق في منهجنا المبارك على المرشد، الذي وهبه الله سبحانه صفات الكمال البشري والتي سبق ذكرها في جواب السؤالين المرقمين (1654، 2968) فأرجو مراجعتهما في هذا الموقع الميمون.

وسبب إطلاقها على المرشد فلأنه أهل للتبجيل والتوقير باعتباره وارثًا لحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين القائل:-

(— إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ —) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

ولأنّ قلبه الشريف غالبا دائم الحضور بين يدي ربّه العزيز الغفور عزّ وجلّ.

فالمرشد ذاكر لله سبحانه في السرّ والعلن، تحقق فيه قول الله جلّ وعلا:-

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 191].

وكذا قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه عن سؤال سيّدنا جبريل عليه السلام مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ:-

(الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) الإمام البخاري رجمه الباري تقدّست أسماؤه.

قال الشيخ ابن القيّم رحمه الله جلّ في علاه:-

(إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمُرَاقَبَتِهِ الْجَامِعَةِ لِخَشْيَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَلِجَمِيعِ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ) مدارج السالكين (2/430).

وقال أيضًا:

(الْحُضُورُ: وَهُوَ إِحْضَارُ الْقَلْبِ فِيهَا مُشَاهَدَةَ الْمَعْبُودِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ) مدارج السالكين (2/477).

أمّا ما ذكرته من (أنّ الحضرة هي حضرة إلهية عظمى عند البعض، أو حضرة ملائكية عند آخرين) فهذا ليس من منهجنا ويمكنك توجيه السؤال إلى مَنْ يقولها.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.