5/5/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي حضرة الشيخ، نتمنّى من العليّ القدير عزّ وجلّ أنْ يتمّ عليك بموفور الصحة والعافية.

أملك حصة بالتساوي مع شريكيْن آخريْن، شركاء ثلاثة بعمارة ومحلات تجارية، المشكلة أنّ هذه العمارة والمحلات مؤجّرة بمبالغ زهيدة، ما يعادل دولار تقريبًا (23 جنيه) شهريًّا بعقودٍ قديمةٍ، والمشكلة الأكبر أنّ عقود هذه الإيجارات، لا تنفسخ إلّا بتنازل المستأجر، أو موته وموت وريثه من بعده، ثمّ ترد العين المستأجرة لصاحبها، حاولنا بالتراضي مع المستأجرين أنْ يعدلوا الآجار دون جدوى، وتمّ رفض كلّ أنواع التفاهمات، علمًا أنّ هذه المحلات ليست ذات جدوى اقتصاديًا حتّى على المستأجرين أنفسهم، قاعد  بالإيجار وغير قادر من الاستفادة من بيتي، بقي حلّ وحيد لإنهاء هذه المشكلة المستمرة من 15 سنة وهو “إحداث عيب بالمنزل، لنحصل على قرار إزالة وإخلاء”.

سؤالي: هل يجوز لنا إحداث عيبٍ بالمنزل أو العمارة للحصول على قرار إزالة، وإنهاء هذا العقد الجائر، مع نيّتي إرضاء المستأجرين بمبلغ مالي بعد ذلك، وجزاك الله خيرًا.

 

الاسم: أبو عبد الله

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

لا يجوز أنْ يكون عقد الإيجار مؤبّدًا، ولا ينبغي للمستأجر أنْ يتشبّث بالعقار المؤجّر أو أنْ يبخس حقّ صاحبه؛ فهذا ظلم وسُحت محرّم، وللمؤجِّر أنْ يتّخذ الوسائل الممكنة المشروعة لرفع الظلم عنه، وإنْ خالفت القانون المُجحف.

التفصيل:-

الإجارة عقدٌ شرعيٌّ يقتضي تحقيق مصالح النّاس، قال الله جلّ في علاه:-

{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة القصص: 27].

وهذا المقصد الصالح لا ينبغي أنْ يُصاحبه ضررٌ لطرفي المعاملة أو أحدهما، فما شُرّعت التعاملات إلّا لدرء المفاسد والمضارّ، وجلب المصالح والمنافع؛ قال حضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:-

(لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ جلاله.

فهذا النصّ الشريف وأمثاله يمثّل قاعدة الإسلام في الشرائع وقواعد الأخلاق والتعامل بين الخلق، وهي دفع الضرر عنهم بمختلف أنواعه ومظاهره، فالضّرر محرّم، وإزالته واجب، ولا يُزال بمثله إلّا إذا تعذّر ذلك.

والإجارة عقد على المنافع، وقد اشترط الفقهاء رحمهم الله تعالى لصحّته أنْ تكون المنفعة معلومة، والمدّة التي تنتهي فيها معروفة محدّدة.

أمّا الإجارة على التأبيد فمحرّمة وإنْ أجازها القانون؛ إذ يفوّت بها حرّية تصرّف المالك بملكه.

ولقد تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مدتها، والقول الذي يتناسب مع أحوال زماننا الذي تتغيّر فيه الأحوال سريعًا هو عام واحد قابل للتجديد، يُراعي فيه الطرفان مصلحة الآخر؛ فالمسلم أخ المسلم لا ينبغي أنْ يظلمه أو يبخسه حقّه في ظلال هدايات قول الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيِه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وتَمَسُّكُ المؤجّر بالعقار المؤجَّر ظلمٌ واضح صرَّحَ به السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فقالوا:-

(لَوْ أَمْسَكَ المُسْتَأْجِرُ العَيْنَ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا لِصَاحِبِهَا فَكُلُّ كَسْبِهِ وَانْتِفَاعِهِ مِنْهَا حَرَامٌ وَسُحْتٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ إِجَارَة عَلَى التَّأْبِيْدِ حَتَّى لَوْ أَجَازَهَا القَانُوْنُ، وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) لجنة الفتوى بالأزهر الشريف.

وعليه فلا يجوز إلجاء صاحب العقار إلى بيع عقاره بثمن بخس لأنّه لا يستطيع بحكم القانون أنْ يستخلصها من المؤجر، أو أنْ يلجأ إلى وسائل تعود بالضرر عليه أو على عقاره، والواجب هو ردّ العقار إليه أو دفع الإيجار المناسب مع تحديد مدّته.

أمّا إذا استمرّ التعنّت والظلم فلا مناص من اتخاذ الوسائل الممكنة التي ترفع هذا الظلم وتُزيل هذا الضّرر وفق القاعدة الفقهية:-

(الضَّرَرُ يُزَالُ).

حتّى وإنْ كان في هذا الأمر تهرب من القوانين النافذة التي تنطوي على ظلم بيّن، وأرجو لمزيد اطلاع في هذا الباب مراجعة جواب السؤال المرقم (1483) في هذا الموقع المبارك.

وقد تكون الوسيلة التي ذكرها جنابك في السؤال طريقةً مشروعةً للتخلّص من هذا الظلم، وذلك بإحداث ضرر ما في عقارك ليمنحك القانون بموجبه الحقّ لاستعادة حرّيتك في التصرّف به، ولنا في أصحاب السفينة الواردة في القرآن الكريم دليل، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل، قال عزّ من قائل:-

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف: 79].

ولو كان الإيمان حاضرًا فاعلًا في قلوب النّاس لَمَا احتاج المرء لتلك الوسائل والحيل، ولزال الظلم، وما أباحت الحكومات لأنفسها هذا التجاوز على شريعة الله جلّ وعلا التي شدّدت النكير على الظلم والظالمين، قال سبحانه:-

{— وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [سورة الشعراء: 227].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ —) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

وفقكم الله سبحانه لمراضيه، وردّ أمّة الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لهداياته المنيفة العادلة.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.