23/5/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نفع الله بكم سيّدي الغالي.
كان لجنابكم الكريم سلسلة دروس بخصوص رسالة المسجد فأنتم أهل الفضل والنفع، فحال الأمّة يحتاج إلى النهوض برسالة المسجد والاهتمام بها ولكن أحببتُ أنْ أذكر لجنابكم الكريم واحدة من المشاكل التي نعاني منها اليوم، صار المسلمون اليوم بحالة انشقاق كبير حيث أصبح الكثير يقيم صلاته في بيته حتى وصل الحال بصلاة الجمعة، فأصبح الواحد منّا يقول: هذا إمام المسجد الذي بمنطقته لا أرتاح له، وآخر يقول: إمام المسجد صوفي لا أرتاح له، وآخر يقول: إمام المسجد سلفي لا أرتاح له، فأصبح البعض منّا يقيم الجماعة في البيت والأمّة في اتساع إلى الفرقة لا الاجتماع فهل اختلاف الفكر يوجب هذه الأفعال؟
وما توجيهكم نفع الله تعالى بكم البلاد والعباد؟
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
الأفضل للمسلم أنْ يحرص على الصلاة خلف مَنْ يخشع ويطمئن قلبه معه، ويجوز له أنْ يصلي خلف مَنْ يخالفه في الفكر.
أجمع الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز الصلاة خلف مَنْ يخالف المأموم في المذهب والفكر، وهذه جملة من أقوالهم المباركة:-
قال الامام ابن أبي العزّ الحنفي رحمه الله جلّ وعلا:-
(الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٍ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ إِلَّا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمْعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ، عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمَنْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَا يُعِيدُهَا، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلَا يُعِيدُونَ، — وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حُصِرَ صَلَّى بِالنَّاسِ شَخْصٌ، فَسَأَلَ سَائِلٌ عُثْمَانَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَهَذَا الَّذِي صَلَّى بِالنَّاسِ إِمَامُ فِتْنَةٍ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.
— فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ، وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِحُصُولِ أَعْظَمِهِمَا، فَإِنَّ الشَّرَائِعَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. فَتَفْوِيتُ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْ الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا بِالْإِمَامِ الْفَاجِرِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهَا لَا يَدْفَعُ فُجُورًا، فَيَبْقَى تَعْطِيلُ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِ دَفْعِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْبَرِّ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَلْفَ الْفَاجِرِ) شرح الطحاوية (2/532).
قال الإمام القرافي المالكي رحمه الباري جلّ جلاله وعمّ نواله:-
(قَالَ الْمَازِرِيُّ قَدْ حُكِي الْإِجْمَاعُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخَالِفِ فِي الْمَذْهَبِ) الذخيرة (2/248).
قال الامام النووي الشافعي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(— وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَرَاءَ الْفُسَّاقِ وَالْأَئِمَّةِ الْجَائِرِينَ: قَالَ أَصْحَابُنَا الصَّلَاةُ وَرَاءَ الْفَاسِقِ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَكَذَا تُكْرَهُ وَرَاءَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَتَصِحُّ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ فَإِنْ فَعَلَهَا صَحَّتْ، — وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى صِحَّتِهَا) المجموع شرح المهذب (4/253).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى:-
(فَأَمَّا المُخَالِفُوْنَ فِي الفُرُوْعِ كَالمَذَاهِبِ الأَرْبَعِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ جَائِزَةٌ صَحِيْحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوْهَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِيْنَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الفُرُوْعِ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا) الشرح الكبير على متن الاقناع (2/27).
وقال الشيخ ابن تيمة رحمه ربّ البرية:-
(تَجُوزُ صَلَاةُ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا) مجموع الفتاوى (23/374).
وقال أيضًا:-
(أَمَّا صَلَاةُ الرَّجُلِ خَلْفَ مَنْ يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ فَهَذِهِ تَصِحُّ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ) مجموع الفتاوى (23/378).
وقال أيضًا:-
(وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ مَسْتُورٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ قَالَ: لَا أُصَلِّي جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً إلَّا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ عَقِيدَتَهُ فِي الْبَاطِنِ فَهَذَا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مجموع الفتاوى (4/542).
وبهذا يتبيّن جواز الصلاة خلف مَنْ يخالفك في الفكر والمذهب حتى وإنْ كان فاجرًا، لكنّ الأولى الصلاة خلف الإمام البرّ الذي إنْ صلّيت خلفه خشع قلبك واطمئنّ.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2805) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه اعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.