26/6/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته: سيّدي وسندي وقرّة عيني شيخي الفاضل والحبيب، أسأل الله تعالى أن يرضى عنكم وأن تكونوا بخير ولطف وعافية وأن يبارك لكم في حلول شهر رمضان المبارك أعظم البركة وأكملها وأشملها، ويتلطف علينا وعلى الأمّة المرحومة بأنظاركم الشريفة وعلومكم الشاملة وأنواركم اللامعة فيردنا إلى دينه مردًّا جميلا ويقرّ عينك بالصلاح والتعمير والخير الغفير إنّه على كل شيء قدير جلّ جلاله وتعالى في علاه.

سيّدي سؤالي هو كيف للمرأة أنْ تغتنم أهمّ ثمار إحياء رسالة المساجد وهي ذكر الله تعالى كثيرًا وهي ليس لديها ختم شريف كالرجال؟ وهل لها أنْ تعمل حلقة ذكر عام من صلاة على الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم والتهليل والاستغفار في المسجد فقط للنساء إنْ كانت تدرّس في المساجد وتحفظ القرآن الكريم؟ وأعتذر عن التطويل وجزاكم الله تعالى عنّا ما أنت أهله يا سيّدي وقرّة عيني.

 

الاسم: سائلة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:ـ

للمرأة دورها الشخصي الفاعل في إحياء رسالة المسجد، وذلك في صور عدّة سيتم بيانها في تفصيل الجواب.

وتستطيع حثّ غيرها كالزوج والأبناء مثلا ليكونوا من أعمدة المسجد فيعملوا فيه.

التفصيل:ـ

لقد ندبت الشريعة الغرّاء الرجال والنساء للمسارعة في الخيرات، وبذل الجهد في الصالحات من الأعمال بكافة أنواعها فقال جلّ جلاله:ـ

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 195].

وما أجمل الآية الكريمة في سورة الأحزاب التي تصف المرأة المسلمة بأوصاف وأعمال تُشارك فيها الرجال، فقال الله الكبير المتعال:ـ

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب: 35].

وكما لا يخفى فإنّ للمرأة طابعها الخاصّ الذي يتناسب ووظيفتها العظيمة، وظيفة الأمومة الشريفة؛ فهي منشغلة عادة بالحمل والولادة ومقتضيات وتوابع تلك الأحوال، ومتابعة الأولاد وشؤون الأسرة المتنوعة؛ فكان لا بدّ لها من أحكام خاصّة تختلف في بعضها عن أحكام الرجال، مثل عدم وجوب حضورها للجمعة والجماعات، ولا تُمنع من ذلك، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله ومن والاه:-

(لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

فللمرأة نصيب في تفعيل رسالة المساجد، بل إنّ لها دورًا فاعلًا إذ هي نصف المجتمع وصانعة النصف الثاني.

وللنساء في زوجة سيّدنا عمران عليهما السلام أسوة حسنة إذ نذرت ما في بطنها لخدمة بيت الله تعالى، فدعت ربّها بصدق وإخلاص أنْ يتقبّل منها، ويجعل لها نصيبًا في خدمة بيوت الله جلّ جلاله؛ فكان من الله جلّ وعلا القبول والبركة والفضل، قال تبارك اسمه:ـ

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 35 ـ 37].

وللمسلمة الواعية الصادقة أنْ تحثّ زوجها وأولادها على التعلّق بالخيرات والصالحات من الأعمال، والمساجد من أهمّها، ولنا في السُنّة المشرّفة أنموذجًا مباركًا لهذا الحثّ، فقد قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:ـ

(رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ) الإمام أحمد رحمه الله الممجد عزّ شأنه.

ومن صور حثّ النساء أولادهنّ على الحضور للمساجد وشهود مواطن الخير ومجالسة الذوات المخصوصة بالفضل والبركة أمثال السادة العلماء والربانيين والأولياء الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين ما رواه سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله سبحانه عنه قال:-

(سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَنَالَتْ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُصَلِّيَ مَعَهُ المَغْرِبَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ المَغْرِبَ فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ، فَسَمِعَ صَوْتِي، فَقَالَ: مَنْ هَذَا، حُذَيْفَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا حَاجَتُكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.

ومن صور مساهمة المرأة في رفد إحياء رسالة المسجد ما نُقِلَ من شأن السيّدة رفيدة الأسلمية رضي الله تعالى عنها إذ كانت لها خيمة في المسجد تسكنها وتقوم على معالجة الجرحى. يُنظر: جوامع السيرة للإمام ابن حزم رحمه الله تعالى ص 194.

وكانت النساء في عصر السعادة يحضرنَ المسجد ويصلينَ خلف الإمام في الصفوف الأخيرة، وهناك شواهد لمشاركتهنّ في بعض القضايا المهمّة، فَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(خَطَبَنَا عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.

وأحوال النساء مختلفة، فالمرأة التي زوجها إمام وخطيب واجبها تثبيت زوجها وتشجيعه، والإسهام معه في وظائف المسجد بما يخصّ النساء كمتابعة حرم النساء ومَنْ تحضر فيه، والقيام على متابعتهنّ وتعليمهنّ، كما أنّ لها دورها في تنظيف المسجد قدر استطاعتها، فلا يخفى أنّ للنساء لمستهنّ الخاصّة في الترتيب والتطهير.

ولا بدّ أنْ تكون رسول خير بين زوجها وبين مجتمع النساء فتنقل له حاجاتهنّ وأوضاعهنّ ومشاكلهنّ كما كان أمهات المؤمنين يفعلن رضي الله تعالى عنهن وعنكم.

وعلى وفق ما تقدّم فللمرأة المسلمة نصيبها الوافر من الخير، وليس شرطًا أنْ يكون باللون نفسه الذي يفعله الرجال لاختلاف الأحوال بين الرجال والنساء كما أسلفت، أمّا منافذ ترقّي النساء وفضلهنَ فكثيرة، فهذه السيّدة خولة بنت ثعلبة رضي الله سبحانه عنها جاءت إلى حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام تشتكي زوجها سيّدنا أوس بن الصامت رضي الله تعالى عنه لأنّه قال لها: أَنْتِ عليَّ كظهر أمّي، فقالت:-

(يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ! فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ:-

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [سورة المجادلة: 1]) الجامع لأحكام القرآن (17/270).

ولقد سبقت جنابَكُم وَافِدَةُ النساء رضي الله تعالى عنها وعنكنّ إلى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بعرض حالكنّ على حضرته فقالت:ـ

(إِنِّي رَسُولُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ وَمَا مِنْهُمِ امْرَأَةٌ عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ إِلَّا وَهِيَ تَهْوَى مَخْرَجِي إِلَيْكَ، اللهُ رَبُّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالَهُهُنَّ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كُتِبَ الْجِهَادُ عَلَى الرِّجَالِ، فَإِنْ أَصَابُوا أَثْرُوا، وَإِنِ اسْتُشْهِدُوا كَانُوا أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ فَمَا يَعْدِلُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: طَاعَةُ أَزْوَاجِهِنَّ وَالْمَعْرِفَةُ بِحُقُوقِهِمْ وَقَلِيلٌ مِنْكُنَّ تَفْعَلُهُ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

هذا بالإضافة إلى ذهاب الكثير منهنّ إلى أمّهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهنّ وعنكنّ أجمعين، لسؤالهنّ عمّا يجول في خاطرهنّ ويُردنَ معرفة حكمه من حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين.

وعليه ينبغي للمرأة المسلمة أنْ تُسهم بما ذكرتُ من صور رفد إحياء رسالة المسجد، ويكون لها دَوْرٌ فاعلٌ حين ترغب الحضور فيه ـ على شرط الحشمة وعدم التقصير في حقّ الزوج والأسرة ـ لتشهد الخير وتُسهم في تثقيف النساء وتعليمهنّ، ولا يكون ذلك إلّا بعد طلب الإذن من إمام المسجد والقائمين على إدارته فنحن أمّة الأدب والنظام.

ولنا في تأريخنا المبارك نماذج مشرقة لنساء تولينَ التعليم الشرعي فهذه السيّدة نفيسة بنت الحسن رضي الله تعالى عنها وعنكم، كانت تحضر مع أبيها في المسجد النبوي الشريف وتسمع إلى شيوخه وتتلقى العلوم حتى لقّبها الناس بـ (نفيسة العلم) ولما ذهبت إلى مصر حضر عندها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وسمع منها الحديث. مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان للشيخ أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (2/33).

ولها في مالها الخاصّ الأثر الفاعل في بناء وترميم المساجد ورفدها بما يُصلح شأنها، ولنا أوقاف مباركة ما زالت شاهدة بعطاء النساء وإسهامهنّ في إحياء رسالة المساجد، أذكر من ذلك وقف مسجد الخفافين في بغداد المحروسة فهو من إنشاء السيّدة زمرد خاتون زوجة الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، وغير ذلك قديمًا وحديثًا ما لا يُحصى من النماذج المشرقة.

وصور الطاعة التي يمكن أنْ تجتمع عليها النساء متعدّدة مثل قراءة القرآن الكريم ودراسة السُنّة النبوية وبعض أبواب الفقه لِمَنْ تُجيد ما تقدّم، إضافة إلى توجيه النساء للعمل بالذكر القلبي كمقدمة لاستنهاض طاقة قلوبهنّ وممارسة العمل الروحي الإسلامي؛ ففيه يتعلمنّ عبادة الصمت وذكر القلب، فإنْ فعلنّ ذلك عشر دقائق كلّما التقينَ كان خيرًا كثيرًا وأثرًا عظيمًا يجدنَ ثمرته آجلًا وعاجلًا.

ولمزيد فائدة في هذا المجال أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2534) في هذا الموقع الكريم.

ويطيب لي هنا أنْ أنقل بعض ما ذكره سيّدي وسندي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه إذ قال:-

(أما ملتقى الخير والتقوى في أجواء العبادة والسموّ الروحي فذاك مجمع النساء والرجال في حرم الصلاة، حيث ترى الشابات ويرى الشبان على نوايا العفاف والأمانة والطهر وخلجات الأرواح المطيعة لخالقها، وذاك هو المتلائم مع المناهج والمقاصد في حضارة الإسلام.

فعلى عهد السعادة حضرت النساء مع الرجال في مسجد رسول الله يصطففن، وصفوف الرجال بين صفوفهنّ وبين القبلة، حيث أدّى الجميع فرائض الصلاة يؤمّهم خاتم الأنبياء والمرسلين -صلّى الله عليه وعلى الأصحاب والصحابيات أجمعين. ثمّ لا تسل عن الخشوع والحشمة والرزانة عند الحضور وعند الإفاضة من الصلاة!

وإذا كنت -أيها الرفيق القارئ- شابًا أو شابة وأحببت أنْ تتصور سيرة اختيار زوج لك بين المصلين أو المصليات فلعلك تجد الصورة المطلوبة في هذه الأبيات من الشعر الإسلامي: —

هبّ للمسجد يمضي بعد ذاكا

فرأى بعد صلاتيه ملاكا

وهفا القلب ولكن يا تُراكا

بعد رشد يرجع الولهان والصب الفتيا

ومضت غبّ أداء الفرض حالا

لم تمل قط يمينا وشمالا

أخفت الحسن فأضحى يتلالا

يعتلي جلباب طهر وخمارا مغربيا

قصد الشيخ فتانا المستهام

يشرح الحال له فهو الإمام

ربّ مستفت وفي الفتوى غرام

فانبرى الشيخ يزكي قلبه البرّ الغنيا

أنت عف تعشق الروض الأغنا

وهي بكر بهدى الروح تغنى

فاصطبر إنّي أنا بالأمر أُعنى

ويرى الصنوان في دينهما حبًّا وريا

خطب الشيخ بلطف وتروّى

وحديث عن رسول الله يروى

والتقت أفئدة القوم لتروى

زهر بعد زفاف قد أراداه نقيا

عاد للدار فتانا بخطاه

وخطى نجم أنارت منتهاه

فهما روح رضاها من رضاه

وجدا في الحب والإخلاص ميثاقا قويا

سبّحا لله فجرا وعشيّا

وبدا المعراج أمرا منطقيا

وهُبا فيه نعيما أبديا

وبهدْي الأحمد الهادي سلاما مشرقيا) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي 117 – 118.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على هادي الرجال والنساء، سيّدنا محمد، وآله وصحبه الأوفياء، وسلّم تسليمًا كثيرًا ما أعقب الظلامَ الضياء.