17/7/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هل يجوز للشاب أنْ لا يتزوج؟ هل يذنب على ذلك؟

وجزاكم الله خير الجزاء

 

الاسم: حسام حسين علي فرحان

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا كلّ خير لتواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأله سبحانه أن يوفقك لكلّ خير ويدفع عنك كلّ ضير.

الجواب باختصار:-

يدور حكم الزواج بين الوجوب والندب والكراهة والتحريم بحسب حال الانسان.

التفصيل:-

حثّ الشرع الشريف على الزواج، قال الحقّ عزّ شأنه:-

{وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَق لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةَ وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُوْنَ} [سورة الروم: 21].

أي يتأملون في منافع الزوجة (وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ فِي اجْتِمَاع الزَّوْجَيْنِ مِنْ قِيَامِ البَيْتِ وَالأُسْرَةِ، الّذِي هُوَ نَوَاةُ قِيَامِ المُجْتَمَعِ وَصَلَاحِهِ. فَالزَّوْجُ يَكِدُّ وَيَكْدَحُ وَيَتَكَسَّبُ، فَيُنْفِقُ وَيَعُوْلُ.

وَالمَرْأَةُ، تُدَبِّرُ المَنْزِلَ، وَتُنَظِّمُ المَعِيْشَةَ وَتُرَبِّي الأَطْفَالَ، وَتَقُوْمُ بَشُؤُوْنِهِمْ.

وَبِهَذَا تَسْتَقِيْمُ الأَحْوَالُ، وَتَنْتَظِمُ الأُمُوْرُ) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ص564.

والزواج مشروع عظيم مبارك فقد وجّه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه كلامه للشباب المسلم مرشداً لهم، فقال:-

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وتعدّدت آراء الفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ في حكم النكاح:-

فمذهب السادة الحنفية رحمهم رب البرية جلّ جلاله:-

(الاشْتِغَالُ بِالنِّكَاحِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَفْلِ العِبَادَاتِ عِنْدِ أَبِي حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ…

حُجَّةُ أَبِي حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَعَلَى التَّقْدِيْرَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ النَّوَافِلِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي حَالَةِ التَّوَقَانِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [سورة النساء :3]، وَرَجَحَانُ الوَاجِبِ عَلَى النَّفْلِ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَهُوَ سُنَّةٌ… وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يِأْمُرُ بِالبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيْدًا وَيَقُوْلُ: (تَزَوَّجُوْا الوَدُوْدَ الوَلُوْدَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُم الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ) رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ… وُرَوَى ابْنُ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) صَحِيْحُ الإِمَامِ البُخَارِي رَحِمَهُ البَارِي، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ بِالنِّكَاحِ وَقَدَّمَهُ عَلَى الصَّوْمِ فَهَذِهِ الأَحَادِيْثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ النَّوَافِلِ بِالإِجْمَاعِ) الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة ص126.

ومذهب السادة الشافعية عليهم رحمة ذي الألطاف العلية:-

(مَنِ احْتَاجَ إِلَى النِّكَاحِ مِنَ الرِّجَالِ وَوَجَدَ أُهْبَةً نُدِبَ لهُ، وَمَنِ احْتَاجَ وَفَقَدَ الأُهْبَةَ نُدِبَ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى النِّكَاحِ وَفَقَدَ الأُهْبَةَ كُرِهَ لَهُ، وَمَنْ وَجَدَهَا وَوُجِدَ مَانِعٌ بِهِ مَنْ هَرَمٍ وَمَرَضٍ دَائِمٍ لَمْ يُكْرَهْ، لَكِنِ الاشْتِغَالُ بِالعِبَادَةِ أَفْضَلُ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ) عمدة السالِك وَعدة النَّاسِك ص198.

ومذهب السادة الحنابلة رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة:-

(وَالنَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ النِّكَاحَ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ.

الثَّانِي، مَنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ يَأْمَنُ مَعَهَا الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ، فَهَذَا الِاشْتِغَالُ لَهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ —

الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شَهْوَةٌ كَالْعِنِّينِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَذَهَبَتْ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، التَّخَلِّي لَهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ مَصَالِحَ النِّكَاحِ، وَيَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَيُضِرُّ بِهَا، وَيَحْبِسُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) المغني (7/4).

فهذه جملة من أقوال الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم النكاح، فانظر إلى نفسك تحت أيّ حكم تندرج من هذه الأحكام الواجب أم المستحب… إلى آخره.

فلا بُدّ من المسارعة إلى الزواج إنْ كنت قادرًا مستطيعًا، لا سيما ونحن في هذا الزمن المشحون بالفتن، تحصينًا للنفس وتطبيقًا لسنّة حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فالنكاح من سنّته المباركة، والذي يتركه ابتعد عن هديه الشريف، كيف لا وهو القائل:-

(النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ جلاله.

ومعنى (من لم يعمل بسنتي فليس مني) أي ليس من هديي وطريقتي.

والذي أوجّه إليه والتوجيه عام يشمل الخاطب والمخطوبة وأهليهما: بضرورة النظر إلى الأصل في هذا الموضوع وهو الخلق والدّين، قال حضرة سيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

ثمّ بقيّة الأمور تأتي تباعًا.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2696) في هذا الموقع الأغرّ.

هذا والله عزّ شأنه أجلّ وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.