13/9/2023
نص السؤال:
السلام عليكم سيّدي وقرّة عيني سيّدي حضرة الشيخ ورحمة الله تعالى وبركاته أيّامكم سعيدة وكلّ عام وأنتم جميعًا بألف ألف خير نسأل الله عزّ وجلّ أنْ يمدّ بعمرك وأنْ ينفعنا من توجهاتك الشريفة وأن يحشرنا معكم وجميع المرشدين الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم تحت لواء سيّد المرسلين صلّى الله تعالى عليه وسلّم سيّدي ما نراه اليوم في بلدنا العراق عامة، وفي مدينة تكريت خاصة، أنّ المتوفى إذا توفيَ أقاموا له مجلس عزاء مدّة يومين في القاعة، واليوم الثالث في المنزل، وبعدها ما تسمّى السبعة أي مضى على وفاته سبعة أيام، وبعدها الأربعين، وبعدها إذا صادف أنْ يكون العيد إمّا عيد الفطر أو عيد الأضحى أقرب بعد وفاة المتوفى ما يسمّى بالعيدية ينصبون طعام الفطور الصباحي لجبر خاطر أهل المتوفى.
ما حكم هذه المسمّيات والأفعال من ناحية الشرع الشريف؟ هل فعلها حرام يأثم عليها المتوفى وأهل المتوفى أم لا؟
وجزاكم الله تعالى عنا خير الجزاء وخادمكم يقبل اقدامكم وضاح ابو طارق
الاسم: وضاح مهدي صالح
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وكل عام وأنتم بألف خير.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
الأصل في العادات التي تعارف عليها الناس الإباحة ما لم يقم دليل من الشرع الشريف على كراهتها أو حرمتها.
إنّ الأصل في العادات التي اعتاد عليها المسلمون ولم ينكرها أهل العلم والفقه والاعتدال: الإباحة. انظر: كتاب القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (2/218).
ما لم يقترن بها ما يغيّر حكمها، كما سأوضحه في النقاط الآتية:-
أوّلًا:- تكون محرّمة وذلك في صور، منها:-
1- أنْ يعتقد فاعلها وجوبها أو سُنّيّتها شرعا، قال الله جلّ جلاله:-
{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [سورة سيدنا يونس عليه السلام: 68 – 69].
2- أنْ تؤخذ المصاريف التي تُنفق فيها من مال الورثة أو الأقارب ونحوهم على جهة الحياء فيدفعها الوارث ونحوه خوفًا من المذمّة والعيب، والمأخوذ حياء كالمأخوذ غصبًا، يقول الحقّ عزّ شأنه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [سورة النساء: 29].
3- إذا كانت هذه النفقات من مال القاصرين الأيتام، قال الله عزّ وجلّ:-
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [سورة النساء: 10].
4- أنْ يكون في هذه المجالس نُواحٌ وعويلٌ وشقٌّ للجيوب وضربٌ للخدود، وقد قَالَ حضرة النَّبِيُّ الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) متفق عليه.
5- أنْ تكون هذه المجالس للمفاخرة والتباهي، ويكون الإنفاق فيها لأجل الرياء والسمعة، يقول الله تبارك اسمه:-
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [سورة النساء: 36].
فينبغي على الإنسان أنْ يقصد بعمله وجه الله سبحانه حتى يكون مقبولا، قال جلّ ذكره:-
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [سورة الإنسان: 8 – 9].
وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) الإمام النسائي رحمه الله جلّ وعلا.
ثانيًا: أنْ تكون مستحبة وذلك إذا خلت عمّا سبق ذكره، وكان فيها صور مشرقة، منها:-
1- أنْ يجتمع الناس فيها على ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم والدعاء للميت وإهداء الثواب له ونحو ذلك، فهذا ممّا ندبت إليه الشريعة الغرّاء، فقد ورد أَنَّ حضرة خاتم النبيين صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ إلى يوم الدين، قال:-
(مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
وقَالَ:-
(إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
2- أنْ يتبرّع أهل الإكرام من الأقارب غير القاصرين والأصدقاء والمحبين من حُرّ مالهم بطيب نفس دون تعدٍّ ببذل الطعام والشراب ونحوهما للحاضرين ثوابًا لهم ولروح المتوفى فقد ثَبَتَ:-
(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال عليه أزكى تحية وسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ في علاه.
ونحو ذلك من أعمال البرّ.
وممّا يجب التنبيه عليه أنّه لا ينبغي في مثل هذه الأفعال الصالحة أنْ تكون محصورة بالأربعين أو العيدين أو الحولية ونحو ذلك بل ينبغي أنْ تفعل مهما استطاع المسلم لذلك سبيلا رغبة فيما عند الله جلّ وعلا، وبرّا بالميت، ومن الأحسن أنْ يتصدّق عنهم ويطعم سرّا لأنّ أفضل الصدقة ما كان سرًا.
قال الإمام الترمذي رحمه الله جلّ ذكره:-
(صَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ صَدَقَةِ العَلاَنِيَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لِكَيْ يَأْمَنَ الرَّجُلُ مِنَ العُجْبِ، لأَنَّ الَّذِي يُسِرُّ العَمَلَ لاَ يُخَافُ عَلَيْهِ العُجْبُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ عَلاَنِيَتِهِ) سنن الإمام الترمذي (5/31).
ولمزيد ممّا يؤكّد وصول ثواب الأعمال الصالحة للميت أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2158) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبيّ المعظّم، والرسول المكرّم، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم.