28/10/2023
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سيّدي حضرة الشيخ سعد الله حفظكم الله تعالى ونفع الأمّة بكم
سؤالي عن الفرق بين العيش لله تعالى، والعيش بالله تعالى، وكيف يجسد المسلم السالك هذين المعنيين فقد قال تعالى في سورة الأنعام {قل إنّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} الآية 162
وورد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول “بك نحيا وبك نموت”
الاسم: سائل
وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ.
سُررتُ بتواصُلِكُم معَ هذا الموقعِ الميمونِ، أسألُ اللهَ جلَّ جلالُهُ لكُمُ التوفيقَ والسَّدادَ.
العيشُ للهِ تعالى يتضمَّنُ معنى الإخلاصِ وقصدَ وجههِ تعالى دونَ شيءٍ آخرَ، والعيشُ باللهِ سبحانه يتضمَّنُ معنى الاستعانةِ بهِ والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلى حَوْلِهِ تعالى وقُوَّتِهِ.
خَلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الإنسانَ ليَعْرِفَهُ ويَعترِفَ بهِ إلهًا خالِقًا رازِقًا حكيمًا صَمَدًا قيُّومًا، مُتَّصِفًا بالكمالاتِ مُنَزَّهًا عنِ النَّقائِصِ، وذلكَ بما ركَّبَهُ فيهِ مِنْ أدواتِ الإدراكِ التي بها كانَ قادرًا على الاختيارِ، ومِنْ ثَمَّ لِيقومَ بمهامِّ العُبودِيةِ بمُقتضى هذهِ المعرفةِ.
قالَ اللهُ تباركَ في علاه:-
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56].
قالَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما:- (إلَّا لِيُقِرُّوا بِعبادَتي طَوْعًا أوْ كَرْهًا) تفسير القرآن العظيم للإمام ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ تعالى [7/425].
والعبادةُ المقصودةُ هنا غيرُ مُقتَصِرَةٍ على العباداتِ المخصوصةِ المعلومةِ، وإنما هي العُبوديةُ التي ينبغي للعبدِ المؤمنِ أنْ يتحقَّقَ بها، وتَشمَلُ كُلَّ أفعالِ العبدِ وأقوالِهِ وحركاتِهِ وسكناتِهِ المصحوبَةِ بِنِيَّةِ تعظيمِ اللهِ تباركَ وتعالى وامتثالِ أمرِهِ، مِنِ لحظةِ تكليفِهِ إلى حينِ بُلوغِ أجَلِهِ.
قالَ الإمامُ الرازِيُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى في العبادةِ التي خُلِقَ الإنسُ والجِنُّ لها هيَ:-
(التعظيمُ لأمرِ اللهِ والشَّفقةُ على خَلقِ اللهِ، فإنَّ هذينِ النوعينِ لمْ يَخْلُ شَرعٌ مِنهما، وأما خُصوصُ العِباداتِ فالشَّرائعُ مختلِفةٌ فيها بالوضعِ والهيئةِ، والقِلَّةِ والكثرةِ، والزمانِ والمكانِ، والشَّرائطِ والأركانِ. ولمَّا كانَ التعظيمُ اللائقُ بذي الجلالِ والإكرامِ لا يُعلَمُ عَقلًا، لَزِمَ اتِّباعُ الشَّرائعِ فيها والأخذُ بِقَولِ الرُّسُلِ عليهِمُ السَّلامُ) [التفسيرُ الكبيرُ للإمامِ الرازيِّ رحمهُ اللهُ تعالى – الذارِياتِ 65].
ولـمَّا رَضِيَ العبدُ باللهِ تعالى ربًّا وبالإسلامِ دِينًا وبِسيدِنا مُحمدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وسلَّمَ نبيًا ورسولًا، وَجَبَ عليهِ أنْ يُخلِصَ في عُبودِيَّتِهِ للهِ تعالى، فلا يُريدَ إلَّا وَجهَ اللهِ تعالى ورِضاهُ، ولا يَبتغيَ بِفعلِهِ عَرَضًا دُنيَوِيًا، ولا مَدحًا مِنْ أحدٍ، ولا مُلاحظَةً مِنْ جانِبِ الخَلقِ.
فمَنِ انطَلقَ في دُروبِ الحياةِ بهذهِ النيةِ كانَ عيشُهُ كُلُّهُ للهِ تباركَ وتعالى.
قالَ اللهُ تباركَ وتعالى:-
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام: 162-163].
أيْ: قُلْ يا رَسُوْلَ الله (صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ) لِمشركي قريشٍ، الذينَ يسألونكَ أنْ تتَّبِعَ أهواءَهمْ على الباطِلِ مِنْ عبادةِ الأوثانِ: يا مَنْ تعبُدونَ غيرَ اللهِ، وتذبحونَ على غيرِ اسمهِ جلَّ في عُلاهُ، وتذكرون غَيرِ اسمهِ فِي ذَبَائِحِكُم، إنني مُخالِفٌ لكُمْ في ذلكَ، فصَلاتي ودُعائي لا أتوجَّهُ بهما إلَّا للهِ تباركَ وتعالى، وكذلكَ نُسُكي -أيْ ذبيحتي بلْ وكُلُّ عبادَتي، فالنُّسُكُ يشمَلُ كُلَّ أعمالِ البِرِّ والطَّاعاتِ-، وكلُّ ما أعملُهُ في حياتي أقصِدُ بهِ وجهَ اللهِ تباركَ وتعالى خالِصًا دونَ ما أشركتمْ بهِ، لا شريكَ لهُ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ مِنْ خَلْقِهِ، ولا لشيءٍ مِنهمْ فيهِ نصيبٌ، لأنهُ لا ينبغي أنْ يكونَ ذلكَ إلا لهُ خالصًا. وكذلكَ كُلُّ ما يتعلَّقُ بِمماتي مِنْ وصِيَّةٍ وتدبيرٍ وما أموتُ عليهِ مِنَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ. [مُستفادٌ مِنْ تفسيريِ الطَّبَريِّ وابنِ كثيرٍ رحِمًهُما اللهُ تعالى – الأنعام 162-163].
قالَ الإمامُ القُشَيْرِيُّ رضِيَ اللهُ تعالى عنهُ:-
(الإخلاصُ: إفرادُ الحقِّ في الطَّاعةِ بالقَصْدِ، وهُوَ أنْ يُريدَ بِطاعتِهِ التَّقَرُّبَ إلى اللهِ تعالى دونَ شَيءٍ آخرَ، مِنْ تَصَنُّعٍ لِمخلوقٍ، أوِ اكتسابِ مَحمَدَةٍ عندَ النَّاسِ، أوْ محبةِ مَدحٍ مِنَ الخلقِ، أوْ معنًى مِنَ المعاني سِوى التقرُّبِ بهِ إلى اللهِ تعالى) [الرسالةُ القُشَيرِيَّةُ ص 476].
ولِبيانِ عِظَمِ خَطَرِ الإخلاصِ وأنَّ العملَ لا يُقبَلُ ما لَمْ يكُنْ خالِصًا لِوَجهِ اللهِ تعالى، أُمِرَ حضرةُ النبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ ومِنْ ورائهِ أُمَّتُهُ بالإخلاصِ مراتٍ عديدةٍ في القرآنِ الكريمِ كانَ منها ثلاثُ مراتٍ في سورةٍ واحدةٍ:-
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [سورة الزمر: 2].
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [سورة الزمر: 11].
{قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [سورة الزمر: 14].
ومِنْ ذلكَ أيضًا قولُ سيِّدِ الخَلقِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ فِيمَا يَرْويهِ عَنْ رَبّه:-
(قالَ اللهُ تعالى: أنا أغنى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عملًا أشركَ فيهِ مَعي غيري، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ) الإمامُ مُسلمٌ رحمهُ المنعم جلّ وعلا.
قالَ أهلُ اللُّغةِ إنَّ مِنْ معاني حرفِ اللامِ: الاختصاصُ والاستحقاقُ، فيكونُ معنى قولِنا (العيشُ للهِ): أنْ يخُصَّ العبدُ اللهَ تعالى وحدَهُ بالقَصْدِ في شؤونِ حياتهِ كُلِّها فهوَ المستحِقُّ لذلكَ.
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى عندَ الكلامِ على قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ في دعاءِ الاستفتاحِ:-
(… إنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ …).
(قالَ العلماءُ: هذهِ لامُ الإضافةِ ولها معنَيانِ: المِلْكُ والاختصاصُ، وكِلاهما مُرادٌ) [شرحُ الإمامُ النوويُّ على صحيحِ مُسلِمٍ رحمهما اللهُ تعالى: ج6 ص 67].
أمَّا الباءُ فتأتي للاستعانةِ والمصاحبةِ وغيرِهما، ورجَّحَ الإمامُ الآلوسيُّ في تفسيرِهِ معنى الاستعانةَ في البسملةِ {بِسمِ الله} [سورة الفاتحة: 1].
فقالَ:-
(وعِندي أنَّ الاستعانةَ أَوْلى، بلْ يكادُ أنْ تكونَ مُتعينةً، إذْ فيها مِنَ الأدبِ والاستِكانةِ وإظهارِ العبوديةِ ما ليسَ في دعوى المصاحبةِ، ولأنَّ فيها تلميحًا مِنْ أوَّلِ وَهلَةٍ إلى إسقاطِ الحولِ والقوةِ ونفيِ استقلالِ قَدرِ العبادِ وتأثيرها، وهوَ استفتاحٌ لبابِ الرَّحمةِ وظَفَرٌ بكنزِ لا حولَ ولا قُوةَ إلا باللهِ، ولأنَّ هذا المعنى أمَسُّ بقولهِ تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) روحُ المعاني لأبي الثناءِ الآلوسيِّ رحمهُ اللهُ تعالى[1/50].
فعلى ذلكَ يكونُ معنى (العيشُ باللهِ): أستعينُ باللهِ تعالى في شأني كلِّهِ، ويكونُ ذلكَ بالاعتِصامِ بهِ تعالى، والالتجاءِ إليهِ وحدَهُ في كُلِّ الأُمورِ، والإستعاذةِ بهِ، والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلى حَوْلِهِ تعالى وقُوَّتِهِ، قالَ عزَّ مِنْ قائلٍ:-
{وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة آلَ عمرانَ عليهمُ السلامُ: 101].
قالَ الإمامُ البَيْضاوِيُ رحِمهُ اللهُ تعالى:-
(ومَنْ يتمَسَّكْ بِدينِهِ أوْ يَلتَجِئْ إليهِ في مجامِعِ أُمُورِهِ، فَقَدْ اهتَدى لا محالَةَ) تفسيرُ الإمامِ البيضاويِ رحمه الله تعالى.
وقالَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحِمَهُ اللهُ تعالى في قولهِ تعالى:-
{وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللهِ} [سورة الحج: 78].
(اعتضِدُوا باللهِ، واستعينوا بهِ، وتَوكَّلُوا عليهِ، وتَأَيَّدُوا بهِ) [تفسيرُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ الله تعالى – الحج 78].
وقالَ أيضًا في قولهِ تعالى:-
{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأعراف 200].
(فاستَجِرْ باللهِ مِنْ نَزْغِهِ، والعِياذُ: الالتجاءُ والاستِنادُ والاستِجارةُ مِنَ الشَّرِ) [تفسيرُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ تعالى – الأعراف 200].
ومِنْ أركانِ العيشِ باللهِ تباركَ وتعالى: الاستعانةُ بهِ عزَّ وجلَّ، لأنَّ العبدَ متى أدركَ أنَّ المدبِّرَ هُوَ اللهُ تعالى، وأنَّهُ لا يجري أمرٌ إلَّا بإذنهِ تعالى وتقديرِهِ، سارَ مُطمَئنًا وهانتْ عليهِ عَقباتُ الدنيا وابتلاءاتُها ومصائبُها. قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى:-
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الأعراف 128].
قالَ الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ تعالى:-
(فههُنا أمرَهُمْ بشيئينِ وبشَّرَهُمْ بشيئينِ. أمَّا اللذانِ أمَرَ موسى عليهِ السَّلامُ بهما؛ فالأولُ: الاستعانةُ باللهِ تعالى، والثاني: الصَّبرُ على بلاءِ اللهِ. وإنَّما أمَرَهُمْ أوَّلًا بالاستعانةِ باللهِ، وذلكَ لأنَّ مَنْ عَرَفَ أنَّهُ لا مُدَّبِّرَ في العالَمِ إلَّا اللهُ تعالى انشَرحَ صدرُهُ بنورِ معرفةِ اللهِ تعالى، وحينئذٍ يسهُلُ عليهِ أنواعُ البلاءِ، ولأنَّهُ يرى عندَ نُزولِ البلاءِ أنَّهُ إنَّما حَصلَ بقضاءِ اللهِ تعالى وتقديرِهِ، واستعدادُهُ بمشاهدةِ قضاءِ اللهِ خفَّفَ عليهِ أنواعَ البلاءِ) [التفسيرُ الكبيرُ للإمامِ الرازيِّ رحمهُ اللهُ تعالى – الأعراف 128].
وتوحي الآيةُ الكريمةُ الآنِفَةُ أنَّ كُلَّ هدفٍ نسعى إليهِ ببسمِ اللهِ ونستعينُ بهِ تعالى على تحقيقهِ معَ الصَّبرِ ندركُهُ بإذنِ اللهِ تعالى طالَتِ الفَترةُ أمْ قَصُرَتْ. وهكذا، فكُلُّ أعمالِ المرءِ تَكتَسِبُ قِيمَتَها إذا كانتْ باللهِ تعالى لا بالنفسِ؛ فالطاعةُ إنما يقدِرُ عليها العبدُ إذا استعانَ باللهِ، أمَّا بنفسهِ فلا تعويلَ عليها. والمُسلمُ بقولِهِ في اليومِ والليلةِ عَشراتِ المراتِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إنَّما يطلُبُ العونَ مِنَ اللهِ تعالى على أداءِ عبادتهِ، ويُذَكِّرُ نَفسَهُ أنَّهُ إنما باللهِ يقدِرُ لا بنفسِهِ.
ولنذكُرِ الصَّبرَ كمثالٍ على فِعلِ الإنسانِ وعليهِ تُقاسُ باقي الأعمالُ. فينبغي أنْ يكونَ الصبرُ باللهِ لا بالنَّفْسِ، فإنُّهُ إذا وُكِلَ إلى نفسِهِ هلكَ. وقدْ علَّمَنا سيدُنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ أنْ نقولَ كلَّ صباحٍ ومساءٍ:-
(… ولا تَكِلْني إلى نَفْسي طَرْفَةَ عينٍ) الإمامُ المُنذِريُّ في الترغيبِ والترهيبِ 1\276].
وقالَ اللهُ تباركَ وتعالى آمِرًا نبيَّهُ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ بالصَّبرِ:-
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ} [سورة النحل: 127].
قالَ الشيخُ مُحمد متولِّي الشَّعراويُّ رحمهُ اللهُ تعالى:-
(إياكَ أنْ تعتقِدَ أنَّ الصَّبرَ مِنْ عندِكَ أنتَ، فاللهُ يريدُ مِنكَ أنْ تتَّجِهَ إلى الصَّبرِ مُجرَدَ اتجاهٍ ونِيَّةٍ، وحينَ تَتَّجِهُ إليهِ يُجَنِّدُ اللهُ لكَ الخواطِرَ الطَّيِّبَةَ التي تُعينُكَ عليهِ وتُيَسِّرُهُ لكَ وتُرضيكَ بهِ، فيأتي صبرُكَ جميلًا لا سَخَطَ فيهِ ولا اعتراضَ عليهِ) [خواطرُ الشيخِ الشعراويِّ – سورةُ النحل 127].
وفرَّقَ الإمامُ ابنُ عجيبةَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ بينَ الصَّبرِ في اللهِ والصَّبرِ باللهِ فقالَ:-
(أما الصَّبرُ للهِ: فهُوَ الصَّبرُ على مَشاقِّ الطاعاتِ وتركِ المنهيَّاتِ ونُزولِ البَلِيَّاتِ، يكونُ ذلكَ ابتغاءَ مَرضاةِ اللهِ، لا لِطَلَبِ أجرٍ ولا نيلِ حظٍّ. وأمَّا الصَّبرُ باللهِ: فهوَ الصَّبرُ على ما ينزِلُ بهِ مِنَ المقادِيرٍ، لكنَّهُ باللهِ لا بِنَفسِهٍ) [مختصرًا من البحرِ المديدِ في تفسيرِ القرآنِ المجيدِ لابنِ عَجيبةَ رحِمهُ اللهُ تعالى – النحل 127].
ويُقالُ مِثلُ ذلكَ في كُلِّ أعمالِ البِرِّ يُؤَديها العبدُ، وهكذا يكونُ العيشُ في اللهِ وباللهِ تبارك وتعالى، وهكذا مَنْ كانَ فِعلُهُ كُلُّهُ للهِ وباللهِ كانَ مُخلِصًا ومُستعينًا باللهِ تباركَ وتعالى متبرِّيًا مِنْ حولِهِ وقوَّتِهِ إلى حولِ اللهِ تبارك وتعالى وقوَّتِهِ.
هذا، ومَنْ أرادَ التحقُّقَ بالإخلاصِ والعيشَ للهِ وباللهِ سبحانهُ وتعالى فعليهِ بصُحبَةِ المرشِدينَ الكاملينَ مُتَّصِلي السَّندِ إلى حضرةِ خاتَمِ النبيينَ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ، فهُمْ حبلُ اللهِ المتينِ، وهمُ الذينَ ورِثوا مَهَمَّةَ إعانةِ طالِبي الحقِّ على تزكيةِ نفوسِهمْ بتخلِيَتِها مِنَ الرذائلِ وتحلِيَتِها بالفضائلِ، ومُخالَفةِ أهوائهِمْ، ومُراقبةِ خواطِرهِمْ، والوصولِ بهمِ إلى درجةِ الإخلاصِ في الأقوالِ والأعمالِ بإذنِ الملكِ المُتعالِ، فهُمُ الصَّادقونَ رضيَ اللهُ تعالى عنهمْ، قالَ اللهُ تباركَ وتعالى:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].
ولمزيدِ فائدةٍ يُرجى مراجعةُ إجابَتَيِ السؤالينِ المُرقمينِ (512، 552)، وكذلكَ الاستماعُ إلى سِلسِلةِ محاضراتِ الإخلاصِ في المكتبةِ الصوتيةِ في هذا الموقعِ المباركِ.
هذا واللهُ تبارك اسمه أعلمُ.
وصلّى اللهُ تعالى وسلَّمَ وباركَ على سيّدِنا محمّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّمَ.