25/2/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
شيخي وقرّة عيني وسندي حضرة الشيخ سعد الله أحمد عارف حفظكم المولى تعالى، وأطال في عمركم.
سؤالي عن معرفة الله تعالى؛ فمن صغري وأنا أغبط سادتي العارفين بالله تعالى (وأرجو أنْ لا أكون مسيئة للأدب بهذا القول) ومع علمي أنّي لا أستحق أنْ أكون منهم لكنّي أرجو أنْ أموت وأنا أمشي في طريقهم، وأكثر ما يخيفني أنْ أموت وأنا لم أستثمر عمري ووقتي وعقلي وقلبي لخدمة هذا الهدف فكيف السبيل إلى معرفة الله تعالى؟
هل هو أمر يمكن للإنسان دراسته أم هو هبة ربانية؟
وهل الالتزام بالأوراد وحده كافٍ للحصول على هذه المعارف؟
أرجو أن تُعينوني في فهم هذا الأمر وتنصحوني سيّدي وجزاكم الله تعالى خيراً.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لكِ ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
الالتزام بشرع الله عزّ وجلّ، والسعي بصدق وإخلاص لتطبيقه في كلّ تفاصيل الحياة هو الأساس للوصول إلى أعلى المراتب، وأرفع الدرجات.
يقول الحقّ عزّ شأنه:-
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13].
فالتقوى هي معيار التفاضل بين العباد عند الله جلّ في علاه، فإذا حاسب المرء نفسه في مضمار المجاهدة وصل إلى مقام الإحسان، ومصداق ذلك قول الرحيم الرحمن جلّ جلاله:-
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69].
ومقام الإحسان عرّفه حضرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فقال:-
(أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فمعرفة الله تعالى والوصول إليه سبحانه نعمة وفضل منه جلّ وعلا يُكرمُ بها مَنْ شاء مِنْ عباده إذا صدق العبد وأخلص، وسلك ما ينبغي عليه سلوكه، وجدّ واجتهد، وكلّ ذلك منوط بفضل الله تعالى وتوفيقه، فهو القائل جلّ ذكره:-
{— ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة المائدة: 54].
فعلى العبد أنْ يسعى آخذا بالأسباب المادية والمعنوية، والتوفيق بيد الله جلّ في علاه القائل على لسان سيّدنا شعيب عليه السلام:-
{— إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 88].
وقد أرشدت نصوص الشرع الشريف إلى بعض الأعمال التي ترفع درجة المؤمن عند ربّه جلّ ثناؤه، منها:-
1- السلوك على يد السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والالتزام بكلّ ما يوجهون به، وهو من أجلّ الأعمال وأعظمها وأفضلها، قال الله سبحانه:-
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 10].
وقال أيضًا:-
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة الفتح: 18 – 19].
وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-
(مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
ولمعرفة المزيد أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1477) في هذا الموقع الأغرّ.
2- الإكثار من الصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأبرار فهو القائل:-
(مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.
3- طلب العلم، قال الله تعالى:-
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 11].
4- حسن الخلق، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.
ومن هذه الأخلاق ما ذكره مَنْ تربّع على عرشها صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم إذ قال:-
(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَفَ لَهُ بُنْيَانٌ، وَيُرْفَعَ لَهُ دَرَجَاتٌ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله.
5- الالتزام بما ورد في هذا الحديث الشريف الجامع لخصال الخير:-
(ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُنَجِّيَاتٍ، وَثَلَاثٌ كَفَّارَاتٌ، وَثَلَاثٌ دَرَجَاتٌ.
فَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْمُنَجِّيَاتُ: فَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَى، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ، وَالْغِنَى، وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ: فَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَنَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ.
وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَصَلَاةٌ بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ) الإمام الطبراني رحمه الباري عزّ شأنه.
السَّبَرَات: جمع سبرة، وهي شدّة البرد.
وختاما ينبغي على المسلم أن يسعى ليكون عبدا لله جلّ وعلا يلتزم بما شرعه، ولا يجعل الغاية من سيره وسلوكه الوصول إلى المراتب والدرجات، بل رضا ربّ الأرض والسموات، ولسان حاله يقول:-
{— وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [سورة طه: 84].
ولمعرفة المزيد أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (555، 2828) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.