8/3/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
شيخنا أيهما أفضل الاستغفار أم الصلاة على نبيّنا الكريم في وقت الفراغ وكذلك بعد الذنوب؟
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
إنّ لكلّ ذكر من الأذكار الشرعيّة فضله ونوره وموضعه الذي لا يقوم غيره مقامه فيه، فلا ينبغي على سالك سبيل الحق تبارك اسمه أنْ يستغني ببعضها عن بعض.
إنّ من أجلّ الأذكار، الصلاة والسلام على حضرة النبيّ المختار، صلوات الله تعالى وسلامه عليه وآله الأبرار وصحبه الأخيار، وكذلك من أعظمها التذلل والانكسار، للملك الجبار جلّ جلاله، بالخضوع والاستغفار.
ولكلّ من هذين الذكرين وغيرهما وقته وموضعه الذي لا يقوم غيره موضعه.
أمّا ما يتعلق بسؤالكم الكريم فلجوابه حالتان:ـ
الأولى:- بعد اقتراف الذنوب، وينبغي فيها ملازمة الاستغفار، لقول الله العزيز الغفار عزّ شأنه:-
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 135].
وقال حضرة خاتم النّبيّين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: ربِّ أَذْنَبْتُ، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ، فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: ربِّ أَذْنَبْتُ – أَوْ أَصَبْتُ – آخَرَ فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: ربِّ أَصَبْتُ – أَوْ قَالَ: أَذْنَبْتُ – آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، قالها ثلاثاً، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وينبغي أيضًا التّشرف بكثرة الصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين، فهي أيضًا من أعظم مكفّرات الذنوب، فعن سيّدنا أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
وبهذا يعلم أنّ لكلّ ذِكر فضله ونوره ولا يغني ذكر عن آخر، ولهذا استحبّ ساداتنا المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم في توجيههم للسالكين سبيل ربّ العالمين جلّ ذكره أنْ يجمعوا بين الاستغفار والصلاة والسلام على حضرة النّبيّ المختار عليه أزكى الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام في أورادهم وأذكارهم، ويبدأوا بالاستغفار لأنّه تخلية عن الرذائل ويعقبوها بالصلاة على النّبيّ عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام لأنّها تحلية بالفضائل، والتخلية قبل التحلية.
الحالة الثانية:- في أوقات الفراغ، فإنّ الأفضل من الأذكار يختلف على حسب حال الذاكر، قال الإمام الهمام شمس الدين البرشنسي رحمه الله تعالى:ـ
(ثُمَّ المريدُ للسلوكِ إنْ سَبقَ مِنهُ كثرةُ آثامٍ وأوزارٍ، فليبدأْ في سُلوكِهِ بِكَثرةِ الاستغفارِ إلى أنْ تَظَهرَ لهُ ثمرتُه، فلكلِّ ذِكرٍ ثمرةٌ وعلامةٌ عندِ أئمةِ هذا الشأنِ معتبرةٌ فلا يَرقى سالكٌ من ذكرٍ إلى ذكرٍ آخرَ حتى تَظْهرَ عليهِ ثمرتهُ المختصةُ بهِ فإذا ظهرتْ عليهِ شواهدُ الخشوعِ ولاحَ على قلبهِ أثرُ الانكسارِ والخضوعِ فعندَ ذلكَ يؤمرُ بذكرِ مصقلةِ القلبِ وهي الصلاةُ على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذا إذا كان قد استعملَ في المعاصي جَوارحَهُ، أمّا إنْ كانَ قَدْ شدَّ على العَفافِ إزارهُ ولم تَسْتَهِوهِ النفسُ الأمّارةُ فأوّلُ ما يلقي إليه الصلاة على الرسول فبها يبلغُ المأمولُ) كتاب الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية لابن علان (7/ 269).
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (210، 2922) والمشاركة المرقمة (166) في هذا الموقع الميمون.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى العظيم الجليل وسلّم، على النبي المعظم والرسول المكرّم، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم.