14/4/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، اللهمّ صلّ على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
أمّا بعد شيخنا وأخونا الشيخ سعد الله، إنّي تسلّل اليأس إلى قلبي بعد مرض ابني الذي منذ أنْ تمرّض قبل سنة وإلى الآن لم أكفّ عن الدعاء والصلاة والصدقات وكلّ ما أعرف من عمل ممكن أنْ يشفيه الله سبحانه وتعالى.
ازداد الهمّ عليّ وانقطع رزقي وتدهورت صحتي وفقدتّ الرغبة بأيّ شيء في الحياة.
أتمنّى منك أنْ توجهني وتنصحني وتدلني على الطريق حتى أرجع له.
علّمني دعاء أو عملا يفتح لي أبواب رحمة ربنا ورزقه ويعافي لي ابني.
جزاكم ربّي كلّ خير والسلام عليكم ورحمة الله.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، ويرفع عنك اليأس والبلاء، ويمنّ بشفاء مريضك ومرضى المسلمين؛ إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
المؤمن في هذه الدنيا معرض للابتلاء، والبشارة والنجاح لمَنْ صبر، ولم يقنط من رحمة ربّه جلّ وعلا.
إنَّ الله تبارك اسمه خلق الخلق، وأرادهم لعبادته وشكره وطاعته، فقال عزّ من قائل:-
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56].
وأخبر سبحانه أنْه يمتحن عباده ويبتليهم بمصائب الدنيا، والبشارة والنجاح لمَنْ صبر، وأرجع الأمر إليه فقال جلّ وعلا:-
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سورة البقرة: 155 – 157].
وقد سُئِلَ حضرة نبيّنا الكريم عليه أكمل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه ذوي الفضل العظيم: أيّ الناس أشدّ بلاء؟ فقال:ـ
(الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاَءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
ولنا معاشر المسلمين أسوة حسنة بحضرة خاتم النبيّين عليه أزكى الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام، فقد ابتلاه الله جلّ وعلا -وهو خير خلقه وأحبّهم إليه- بمرض أولاده وبناته رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حياته الشريفة؛ بل وماتوا كلّهم سوى السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها، ومع هذا ما كان من حضرته إلّا أنْ سلّم الأمر لله رب العالمين، فهو أرحم الراحمين، قائلا:ـ
(إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى) متفق عليه.
فأوصيك أنْ تقفي مع نفسك للحظات وتُرجعي الأمور كلّها إلى مولاك سبحانه الذي خلقك وسوّاك، وقولي من صميم قلبك: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وكرّري هذا الذكر حتى يمتزج بقلبك المبارك.
إنّا وكلّ ما منحنا الله جلّ جلاله من المال والبنين عبيد ومملوكون لله أرحم الراحمين، والمَلِكُ يتصرّف فيما ملك بما شاء، نرضى بما قسم، ونذعن لما حكم، ونشكر ما منح، ونصبر على ما ابتلى.
وإنّا وما نحب ونملك راجعون إليه فهو الذي يرث الأرض وما عليها، وهو الذي يتلطّف بنا ويسمع شكوانا.
وإيّاك والقنوط من رحمة الله عزّ شأنه وفضله، فهو القائل:ـ
{وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [سورة الحجر: 56].
وقال عزّ من قائل:ـ
{وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 87].
وقد أخبر حضرة النبيّ الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وعلى آله وصحبه الكرام أنّ الله جلّ وعلا يستجيب دعاء عبده ما لم يعجل، فقال:ـ
(لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) متفق عليه.
فواظبي على الدعاء ولا تستعجلي ولا تقولي: أنا أدعو فلا يُستجاب لي، بل سلّمي الأمر لله تعالى، وداومي على الاستغفار ولازميه ملازمة الطفل الصغير لوالديه فقد قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه العِظام:ـ
(مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يرزقك قوّة اليقين به سبحانه، ويمنّ عليك وولدك وجميع المسلمين بالعفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة.
ولمزيد من فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2919) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى العظيم الجليل وسلمَّ، على حضرة النبيّ المعظّم، والرسول المكرّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم.