16/7/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيّدي حفظك الله تعالى وبارك لك في عمرك وعلمك وأبقى للأمة المجيدة هذا الموقع المبارك الميمون لما فيه من خير ورشاد لنا جميعا ووفقنا بالالتزام بالعهد والأدب الكامل مع حضرتك.

سيّدي هناك بعض الأمراض المستعصية مثل المرض الخبيث أعاذنا الله تعالى والأمة منها وشفى جميع المرضى منها بذاته الأقدس تبارك ربنا وتقدّس يصيب بعض الناس وهم لا يحسّون بها إلا في مراحله الأخيرة التي تكون علاجها صعبا ممّا يجعل بعض الدكاترة يعطون الإذن للمصاب وأهله بالاستلام لأمر الله تعالى جلّ جلاله وعمّ نواله.

سيّدي وتاج رأسي هل في هذه الحالة يسمح للمصاب أنْ يترك العلاج ويستسلم للواقع وخاصّة إذا كان لا يملك سوى بيته أم عليه أنْ يجاهد للبحث عن العلاج حتى لو اضطر لبيع بيته الذي لا يملك سواه هو وأطفاله؟

ورضي الله تعالى عنك سيّدي وجعل هذا الموقع شامخا يستفيد منه المسلمون في كلّ زمان ومكان، وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  

الاسم: موفق سعد الله يوسف

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:ـ

ينبغي لكلّ المسلمين أنْ تكون لهم ثقافة الكشف المبكر، ومتابعة هيكلهم الجسماني فهو أمانة الله جلّ جلاله، وكذا ثقافة الدواء والعلاج، وعلى المريض أنْ يتخذ الأسباب المادية والروحية في العلاج، ولا ييأس من فضل الله تعالى وسعة رحمته، ومطلق قدرته، يقابلها التوكّل عليه سبحانه والرضا بقدره؛ فهذه الدنيا دار فناء وممرّ إلى دار الخلود والمستقر، كما وينبغي أنْ تسود في المجتمعات الإسلامية وحكوماتها أنظمة التضامن والتكافل لمساعدة المرضى ممّن يتطلّب علاجهم نفقات كثيرة، وفي حالة إجماع الأطباء بعد بذل الجهود على عدم توفّر العلاج لمرض ما يتمسّك المريض وأهله بالأسباب الروحية مثل الدعاء والصدقة إلى أنْ يقضي الله جلّ وعلا بالشفاء بدون سبب أو باكتشاف العلاج، وقد يسبق قضاؤه بجعل المرض سببا لكفارة الذنوب ورفعة الدرجات لينتقل عبده إلى الدار الآخرة، وليس عليه خطيئة.

التفصيل:ـ

في البدء ينبغي للعلماء والأطباء نشر وترسيخ ثقافة الكشف المبكر لمعرفة حال الجسد الذي هو أمانة بأيدينا تجب المحافظة عليه.

قال عزّ من قائل:ـ

{— وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء: 29].

وإهماله بتفاصيله يؤدّي إلى المرض فالموت، وممّا يتبع ثقافة الكشف المبكر ثقافة الدواء وطريقة أخذه، كذا تنمية الجسد بالرياضة النافعة فهذا من بعض هدايات الشرع الشريف، ومنها:-

قول الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ

(الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ، فَإِنَّ اللَّوْ، تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تبارك اسمه.

وما شاع في الأوساط الطبّية أو المجتمعية من مصطلح مرض عُضال، أي مُسْتَعْصٍ أو مُتعذِّر الشِّفاء، فالمريض ميئوس منه، منافٍ لهدايات الشرع الشريف؛ لأنّ الله جلّ وعلا جعل لكلّ داءٍ دواءً إلّا الهرم الذي يعقبه الموت.

قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.

فهذا النصّ الشريف وأمثاله يؤكّد أنّ لكلّ مرضٍ علاجا، ويدعو لبذل الجهود والطاقات لكشفه.

قال نبيّ الرحمة عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:ـ

(إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلّا نَزَلَ مَعَهُ دَوَاءٌ، جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَعَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ) الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى الديان.

ونتألق مع هذا النصّ أمّةَ الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لنتأدّب ونعرف أقدارنا ومدى حاجتنا إلى ربّنا سبحانه تضرّعا وتوكّلا.

ونتعلّم منه ومن غيره من النصوص الشريفة أنّ الله جلّ في علاه جعل التفاضل صفة المخلوقين وفوق كلّ ذي علم عليم.

فالمرض جندي من جنود الحقّ جلّ جلاله يُهلك به مَنْ يشاء، ويجعله سببا لتوبة مَنْ يشاء، أو رفعة درجته وتكفير خطاياه.

قال حضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:ـ

(مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ مِنْ مَرَضٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمَّ يُهِمُّهُ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وعلى المسلم أنْ يبذل جهده قدر المستطاع لطلب العلاج؛ فإنْ أجمع أهل الصنعة على عجزهم عن معالجته فلا ينبغي له أنْ ييأس أو يجزع أمام البلاء؛ فالله جلّ وعلا قادر على كشفه ورفعه في طرفة عين، وعليه بالصبر وكثرة التضرّع والدعاء.

قال الله سبحانه:-

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 83 – 84].

وعليه أنْ يتمسّك بالوسائل الروحية للعلاج مثلَ قراءة القرآن الكريم، وكثرةَ الاستغفار، والصلاةَ والسلامَ على حضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأخيار، والصدقةَ، والدعاءَ، ورُقيةَ الجسد، كما ثبت كلّ ذلك في هدايات الشرع الشريف.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2634) في هذا الموقع المبارك.

ومن المناسب أنْ أذكّر هنا بحرمة التفكير في الانتحار -نعوذ بالله تعالى من ذلك- فهو قتل للنفس التي أمر الحق سبحانه صيانتها وحفظها، كما أسلفت، كذا حكم ما يسمّى بالقتل الرحيم ـ ولا رحمة فيه ـ فالله تعالى أرحم بالعبد من أمّه؛ إنْ شاء عافاه، وإنْ شاء أمرضه، وإنْ شاء قبضه، وفي كلٍّ خير؛ وليست وظيفة الطبيب أنْ يمنح الشفاء للمريض أو يقتله، بل وظيفته أنْ يبذل قصارى جهده بما يتيسّر له لعلاجه ورفع الأذى والضرّ عنه قدر استطاعته مع منحه طاقة البِشْرِ والتفاؤل والأمل، فليس صحيحا أبدًا أنْ يُبادر الطبيب مريضه بإخباره وأهله بأنّه ميئوس منه، وأنّه ينتظر الموت لا محالة فهذا من أسباب انتكاسة المريض وضرره الضرر النفسي والمعنوي الكبير الذي ينساب إلى أهله ومحبّيه.

ولمزيد اطلاع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2740) في هذا الموقع الميمون.

وممّا يؤسف له في البلاد الإسلامية أنْ يفكّر المرء ببيع داره من أجل العلاج، وما ذاك إلّا لترك حكومات تلك البلاد ومعظم مجتمعاتها هدايات الشرع الشريف في التعاون والتكافل والتضامن، وهي من أصول الأخلاق الإسلامية والواجبات المناطة بالحكومات والشعوب.

قال الله جلّ في علاه:ـ

{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة: 2].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ

(مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

والخلاصة:-

إذا بذل المريض جهده في طلب العلاج، وتبيّن بأنّ مرضه لا علاج له حاليا فعليه بالصبر والاحتساب والتوكّل على الله تعالى المنعم الوهاب، وعدم اليأس والإلحاح بالتضرّع والدعاء، فهذا كلّه ضمن قدر الله جلّ جلاله، وفيه بالرضا كلّ الخير والترقي.

وختاما:-

فللمريض أسوة بحضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم؛ فعن سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه قال:ـ

(دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ، فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) الإمام البخاري رحمه الله جل وعلا.

والله سبحانه أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى على النبيّ المكرّم وآله وصحبه أولي الفضل والكرم وسلّم تسليما كثيرا ما مَنَّ الله تعالى على مريض بالشفاء وأنعم.