30/5/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله تعالى ما حكم قطع الصلاة من أجل إسكات الأطفال في المسجد؟
الاسم: عبد الرحمن بن علي بن طه
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على هذه الدعوات الطّيّبة ولك بمثل ما دعوت وزيادة.
تعمّدُ قطع الصلاة المفروضة من غير مسوّغ شرعيّ لا يجوز لما فيه من عبث في العبادة ينافي حرمتها ومكانتها.
اتّفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّ قطع الصّلاة عمدًا من غير عذر شرعي بعد الشروع فيها مُحرّم لقوله جلّ ذكره:ـ
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ} [سورة سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام 33:].
قال الإمام الشرنبلالي المصري الحنفي رحمه الله جلّ ثناؤه:-
(“يجب قطع الصلاة” ولو فرضًا “باستغاثة” شخص “ملهوف” لمهم أصابه كما لو تعلّق به ظالم، أو وقع في ماء، أو صال عليه حيوان، فاستغاث “بالمصلي” أو بغيره وقدر على الدفع عنه، و “لا” يجب قطع الصلاة “بنداء أحد أبويه” من غير استغاثة لأنّ قطع الصلاة لا يجوز إلّا لضرورة، وقال الطحاوي: هذا في الفرض وإنْ كان في نافلة إنْ علم أحد أبويه أنّه في الصلاة وناداه لا بأس بأنْ لا يجيبه، وإنْ لم يعلم يجيبه “يجوز قطعها”) مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح ص 137.
وقال الإمام ابن رشد المالكي رحمه الله تقدّست أسماؤه:-
(مسألة قال: وسئل عن الرجل يصلي فيخطف رداؤه عنه، هل له أن يخرج ويقطع الصلاة ويطلب خاطفه، أم لا يقطع ويصلي ويدع رداءه يذهب؟ وعن الرجل يخاف على الشيء من متاع البيت السرق والحرق والفساد، مثل قلة الزيت، أو الماء، أو الخل، تقلب فيهراق ما فيها، هل يسعه أن يسويها ويرجع في صلاته؟ ومثل ذلك زقاق الزيت، أو الخل، ونحوه، يخاف عليها أن تنشق أو تنفسخ، أو يفسدها شيء- وهو يصلي، هل يصلح الزقاق ويربطها ويرجع في صلاته؛ أو يقطع صلاته ويستأنف؟ فقال ابن القاسم: إذا خطف ثوبه في الصلاة، فلا بأس أن يقطع ويذهب في طلب الذي أخذه، ويستأنف إذا رجع؛ وأما مالك فكان يكره نحوه، وذلك أني سألته عن الذي يكون في الصلاة فيرى الشاة تأكل الثوب، أو العجين؛ فقال: إن كان في فريضة، فلا يقطع؛ وأما الرجل يصلي وفي البيت قلة أو شيء يخاف عليه أن يهراق، فإن سألت مالكا عن الرجل يقرأ فيتعايا في قراءته، فيأخذ المصحف ينظر فيه – وهو بين يديه- فكرهه، فهذا مثله) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (2/110).
قال الإمام ابن الملقن الشافعي رحمه الله جلّ ذكره:-
(ويبطل الصلاة الكلام العمد، والعمل الكثير…) التذكرة في الفقه الشافعي لابن الملقن (1/32).
قال الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله جلّ جلاله:-
(يجب (إنقاذ غريق ونحوه) كحريق (فيقطع الصلاة لذلك) فرضا كانت أو نفلا، وظاهره: ولو ضاق وقتها، لأنه يمكن تداركها بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه (فإن أبى قطعها) أي الصلاة لإنقاذ الغريق ونحوه أثم و (صحت) صلاته كالصلاة في عمامة حرير) كشاف القناع عن متن الإقناع (1/380).
قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى القدوس العلي:-
(قال أحمد: إذا رأى صبيين يقتتلان، يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر، فإنه يذهب إليهما فيخلصهما، ويعود في صلاته. وقال: إذا لزم رجل رجلا، فدخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة، فلما سجد الإمام خرج الملزوم، فإن الذي كان يلزمه يخرج في طلبه. يعني: ويبتدئ الصلاة. وهكذا لو رأى حريقا يريد إطفاءه، أو غريقا يريد إنقاذه، خرج إليه، وابتدأ الصلاة.
ولو انتهى الحريق إليه، أو السيل، وهو في الصلاة، ففر منه، بنى على صلاته، وأتمها صلاة خائف؛ لما ذكرنا من قبل، والله أعلم) المغني لابن قدامة (2/ 183).
وقال الشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني الحنبلي:-
((ويسن) لإمام (تخفيف) الصلاة (إذا عرض لبعض مأمومين) في أثناء الصلاة (ما يقتضي خروجه) منها (كسماع بكاء صبي)، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: «إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز كراهية أن أشق على أمّه» رواه أبو داود. (قال الشيخ) تقي الدين: يلزمه مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، وأنه ينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يفعله غالبا، (يزيد وينقص للمصلحة) كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – ويزيد وينقص أحيانا) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (1/640).
ويتبيّن من هذه الأقوال المباركة أنّ الأعذار الشرعية التي تُبيح قطع الصلاة ما جاءت بها السنّة النبوية الشريفة، ويُقاس عليها ما هو مثلها، ومن تلك الأعذار المبيحة لقطع الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا:-
قتل الحيّة، وخوف ضياع مال، وإغاثة ملهوف، وإنقاذ غريق، وإطفاء حريق، أو تحذير غافلٍ ممّا قد يضرّه، كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تبارك اسمه ذو الفضل والعطاء.
فإذا كان بكاء الطفل والرغبة في إسكاته بسبب ضرر أصابه، أو خشية ذهاب الخشوع للمصلّي، أو نحو ذلك، جاز قطع الصلاة.
لكن تعدّدت آراء الفقهاء رحمهم الله تعالى في حال قطع الصلاة هل يبني عليها أم يستأنف؟
إذا كان الطفل قريبًا، ولا يتعدّى أكثر من خطوتين، جاز له أنْ يبني على صلاته، وإلّا قطعها وأعادها.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (486، 518) في هذا الموقع الأَشمّ.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلِّ اللهمّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.