2/8/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نفع الله تعالى بكم سيّدي ورضي عنكم ونفعنا بكم.

رجل توفي وترك بيتًا، اشترى أحد أبنائه حصص إخوته وأخواته إلّا أحد إخوته قال له: إنّي أعطيك حصّتي بدون مقابل شرط أنْ يبقى هذا البيت بيت الوالد دون بيع، لأولاد الأولاد، ثمّ توفي الإخوة وباع الأولاد هذا البيت فهل لأولاد الذي تنازل بشرط عدم البيع حق بأخذ حصّة والدهم الذي علق التنازل بعدم البيع وقد بيع البيت؟

 

الاسم: ثامر رشيد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

لا يحقّ لهم ذلك.

التفصيل:-

كان بودّي أنْ تترحّم على الأموات عند ذكرهم فهذا من الوفاء معهم، وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2168، 2184) في هذا الموقع الميمون.

لم يكن من حقّ هذا الأخ أنْ يشرط على أخيه هذا الشرط، بل كان عليه العمل بأحد أمرين:-

الأول: أنْ يبيع حصّته لأخيه كما فعل سائر إخوته.

الثاني: أنْ يهبه حصته بدون شرط، لأنّ تعليق الهبة على شرط تعدّدت فيه آراء الفقهاء رحمهم الله تعالى فمنهم مَنْ أجازه، ومنهم مَنْ منعه وهو رأي الجمهور.

قال الإمام زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري الشافعيّ رحمه الباري عزّ شأنه:-

(لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا -الهبة- وَلَا تَوْقِيتُهَا) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/479).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله سبحانه:-

(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، كَالْبَيْعِ — وَإِنْ وَقَّتَ الْهِبَةَ، فَقَالَ: وَهَبْتُك هَذَا سَنَةً، ثُمَّ يَعُودُ إلَيَّ. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ لِعَيْنٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مُؤَقَّتًا، كَالْبَيْعِ) المغني (6/47).

ثمّ إنّ هذا الاتفاق -إنْ صحّ- كان مع الأخ قبل وفاته، وأولاده ليسوا ملزمين بالعمل به.

ولا يحق لأولاد المتنازِل أنْ يطالبوا بحصّة والدهم بعد أنْ تنازل عنها لأخيه، قال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

قال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ في شرحه لهذا الحديث الشريف:-

(قَالَ أَصْحَابُنَا الْعُمْرَى ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:-

أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ أَوْ لِعَقِبِكَ فَتَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ وَيَمْلِكُ بِهَذَا اللَّفْظِ رَقَبَةَ الدَّارِ وَهِيَ هِبَةٌ لَكِنَّهَا بِعِبَارَةٍ طَوِيلَةٍ فَإِذَا مَاتَ فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا تَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ بِحَالٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ.

الثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَا سِوَاهُ، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ صِحَّتُهُ وَلَهُ حُكْمُ الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنَّمَا الْقَوْلُ الْقَدِيمُ أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إِلَى الْوَاهِبِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِهَا حَيَاتَهُ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْقَدِيمُ أَنَّهَا عَارِيَةٌ يَسْتَرِدُّهَا الْوَاهِبُ مَتَى شَاءَ فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إِلَى وَرَثَتِهِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ أَوْ إِلَى وَرَثَتِي إِنْ كُنْتُ مِتُّ، فَفِي صِحَّتِهِ خِلَافٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ، وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُطْلَقَةِ، الْعُمْرَى جَائِزَةٌ، وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: تَصِحُّ الْعُمْرَى الْمُطْلَقَةُ دُونَ الْمُؤَقَّتَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: الْعُمْرَى فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ تَمْلِيكٌ لِمَنَافِعِ الدَّارِ مَثَلًا وَلَا يَمْلِكُ فِيهَا رَقَبَةَ الدَّارِ بِحَالٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالصِّحَّةِ كَنَحْوِ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) شرح النووي على مسلم (11/70).

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.