19/8/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله حيّاكم الله شيخنا الجليل وبارك الله في عمرك وحفظك من كلّ ضرّ، وبعد، سؤالي هو:-

كيف أدخل من باب الافتقار والانكسار إلى الله؟ بمعنى كيف أحقق الذلّ والافتقار والانكسار إلى الله؟؟

جزاكم الله خيرًا

 

الاسم: روم

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

يتحقق الذلّ والانكسار إذا تهيء القلب لذلك، مع كثرة العبادة.

التفصيل:-

قال الحقّ عزّ شأنه:-

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سورة غافر: 60].

الذلّ والانكسار بين يدي العزيز الغفّار جلّ جلاله من أحوال القلب، لا يمكن الشعور بهما إلّا إذا كان المحلّ لهما -وهو القلب- سليما معافى، وكلّما زادت نسبة السلامة للقلب زادت نسبة الشعور بهذه الأحوال المباركة، وهذا يستلزم البحث عن عالم ربانيّ موصول السند بحضرة سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والمجد، من الناحيتين العلمية والروحية، والسلوك على يده الكريمة في منهج التزكية النبوية الشريفة.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1943) في هذا الموقع الأغرّ.

والتذلّل هو إِظْهَار الْعَجز عَنْ مُقَاوَمَةِ مَنْ يتذلّلُ لَهُ، — وَهُوَ فِعْلُ الْمَوْصُوف بِهِ وَهُوَ إِدْخَالُ النَّفسِ فِي الذُلِّ كَالتَّحَلُّمِ إِدْخَالُ النَّفْس فِي الْحلم. ينظر: الفروق اللغوية للعسكري رحمه الله جلّ وعلا (ص: 249).

وممّا يعينك على تحقق ذلك أيضًا: التعبّد لله جلّ جلاله القائل:-

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56].

ومن أعظم مظاهره: كثرة السجود بين يديه سبحانه، قال عزّ شأنه في وصف الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

{— سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ —} [سورة الفتح: 29].

وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وما أجمل ما ذكره الإمام الغزالي رحمه الله عزّ وجّل وهو يتحدّث عن السجود إذ قال:-

(وَإِذَا وَضَعْتَ نَفْسَكَ مَوْضِعَ الذُّلِّ فَاعْلَمْ أَنَّكَ وَضَعْتَهَا مَوْضِعَهَا وَرَدَدْتَ الْفَرْعَ إِلَى أصله فإنك مِنَ التُّرَابِ خُلِقْتَ وَإِلَيْهِ تَعُودُ فَعِنْدَ هَذَا جَدِّدْ عَلَى قَلْبِكَ عَظَمَةَ اللَّهِ وَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَأَكِّدْهُ بِالتَّكْرَارِ فَإِنَّ الْكَرَّةَ الْوَاحِدَةَ ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وَظَهَرَ ذَلِكَ فَلْتُصْدِقْ رَجَاءَكَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فإن رحمته تتسارع إِلَى الضَّعْفِ وَالذُّلِّ لَا إِلَى التَّكَبُّرِ وَالْبَطَرِ فَارْفَعْ رَأْسَكَ مُكَبِّرًا وَسَائِلًا حَاجَتَكَ وَقَائِلًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَز عَمَّا تَعْلَمْ، أَوْ مَا أَرَدْتَّ مِنَ الدُّعَاءِ) إحياء علوم الدين (1/169).

وقال الشيخ ابن القيّم رحمه الله تعالى:-

(الْمَشْهَدِ الثَّالِثَ عَشَرَ: وَهُوَ الْغَايَةُ الَّتِي شَمَّرَ إِلَيْهَا السَّالِكُونَ، وَأَمَّهَا الْقَاصِدُونَ، وَلَحَظَ إِلَيْهَا الْعَامِلُونَ.

وَهُوَ مَشْهَدُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، وَالِابْتِهَاجِ بِهِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِهِ، فَتَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ، وَيَسْكُنُ إِلَيْهِ قَلْبُهُ، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ جَوَارِحُهُ وَيَسْتَوْلِي ذِكْرُهُ عَلَى لِسَانِ مُحِبِّهِ وَقَلْبِهِ، فَتَصِيرُ خَطَرَاتُ الْمَحَبَّةِ مَكَانَ خَطَرَاتِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِرَادَاتُ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَرْضَاتِهِ مَكَانَ إِرَادَةِ مَعَاصِيهِ وَمَسَاخِطِهِ، وَحَرَكَاتُ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ بِالطَّاعَاتِ مَكَانَ حَرَكَاتِهَا بِالْمَعَاصِي، قَدِ امْتَلَأَ قَلْبُهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَلَهَجَ لِسَانُهُ بِذِكْرِهِ، وَانْقَادَتِ الْجَوَارِحُ لِطَاعَتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكَسْرَةَ الْخَاصَّةَ لَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي الْمَحَبَّةِ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ.

وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَبْوَابِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا، فَمَا دَخَلْتُ مِنْ بَابٍ إِلَّا رَأَيْتُ عَلَيْهِ الزِّحَامَ، فَلَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الدُّخُولِ، حَتَّى جِئْتُ بَابَ الذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ، فَإِذَا هُوَ أَقْرَبُ بَابٍ إِلَيْهِ وَأَوْسَعُهُ، وَلَا مُزَاحِمَ فِيهِ وَلَا مُعَوِّقَ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَضَعْتُ قَدَمِي فِي عَتَبَتِهِ، فَإِذَا هُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/412).

وبالتذلّل يظهر الافتقار، قال الشيخ ابن القيم رحمه المنعم سبحانه:-

(وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَغَانِيُّ فَقَالَ: إِذَا صَحَّ الِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ صَحَّ الِاسْتِغْنَاءُ بِاللَّهِ، وَإِذَا صَحَّ الِاسْتِغْنَاءُ بِاللَّهِ كَمَلَ الْغِنَى بِهِ. فَلَا يُقَالُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: الِافْتِقَارُ أَمْ الِاسْتِغْنَاءُ؟ لِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ لَا تَتِمُّ إِحْدَاهُمَا إِلَّا بِالْأُخْرَى) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/412).

ومن أبرز مظاهره كثرة الدعاء والتضرّع إلى الله جلّ في علاه القائل على لسان سيّدنا موسى عليه السلام:-

{— رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24].

وقال حكاية عن سيّدنا أيوب عليه السلام:-

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [سورة الأنبياء: 83].

وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ سَيِّدَنَا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَعْلَام كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ:-

(رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وما أجمل هذه المناجاة لحضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأبرار، المعبرة عن حالة الافتقار والانكسار، لله العزيز الغفار جلّ جلاله:-

(اللَّهمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ) سيرة ابن هشام (1/420).

وقوله: يَتَجَهَّمُنِي، أي يستقبلني بوجه كريه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.