10/12/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كيف حالكم سيدي الكريم عسى أن تكونوا بخير وصحة وعافية إن شاء الله تعالى عفوا سيدي كيف الوصول الى سيدي حضرة الرسول صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.
الاسم: خادمكم مصطفى وطبان
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحمد لله رب العالمين خادمكم بتمام الصحة والعافية.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقكَ رضاه، ويجمّلكَ بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
الوصول إلى حضرة سيدنا رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين يكون باتباعه، ومحبته، وطاعته، والتخلق بأخلاقه الحسنة، والتعرف على حياته وسيرته العطرة، وكثرة الصلاة عليه، والشوق إليه، وصحبة وارثيه من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين رضوان الله تعالى عنهم أجمعين فهذه كلها وسائل في تقوية الروحانية والاقتراب منه، ودوام شهوده، عليه أزكى تحية وسلام وعلى آله وأصحابه الكرام.
معنى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى كما صرح أهل المعرفة رضوان الله تعالى عنهم، هو الوصول إلى معرفته واستشعار دوام الأنس به، والتخلق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومثل هذا المعنى يريد العلماء في الوصول إلى حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام، فليس المقصود بالوصول هو الوصول الحسي.
و للوصول إلى حضرته عليه أكمل الصلوات وأطيب السلام، وعلى آله وصحبه الأعلام وسائل عدة قد أجملت بعضها في الجواب المختصر وإليك تفصيلها:
أولاً: بتقديم محبة الله عزَ وجلّ ومحبة سيّدنا رسول الله على كل محبوب.
قال صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين:-
(ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
وعن سيّدنا عبدالله بن هشام رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ). قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْآنَ يَا عُمَرُ) الإمام أحمد رحمه الصمد جلّ وعلا.
وأنّ هذه المحبة تزداد بكثرة الإتباع.
ثانياً: اتباعه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام في أقواله وأفعاله قال الحق جلّ في علاه:-
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 31].
والحرص في الاتباع، والتحري يورث استشعار المتبع شهود حضرته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في جميع أفعاله كيما يقتدي به.
ثالثا: طاعته صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر قال الحق جل في علاه:-
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء: 69].
فأخبر تعالى أنّ طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام سبب عظيم في معيّته ومعيّة النّبيّين عليهم الصلاة والسلام.
رابعاً: التخلق بمحاسن الأخلاق في جميع التعاملات فهي سبب عظيم لمحبته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام والقرب منه فقد قال عليه أزكى صلوات الله تعالى وسلامه:-
(إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) الإمام الترمذي رحمه العليّ جلّت ذاته وصفاته.
خامساً: التعرف على حياته وسيرته العطرة، فمن أحب شخصا أحبّ سيرته وشمائله، ولهذا كان العلماء العارفون والرواة والمحدثون حريصينَ على نقل أدق التفاصيل عن حياته وسيرته وهديه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام؛ لأجل أنْ نتأسى به فيها قال جلَّ في علاه:-
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [سورة الأحزاب: 21].
ومِن أمثلة ذلك ما رُوي عَنْ سيّدنا الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما وعنكم أنه قال:-
(سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَ وَصَّافًا، عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ ثناؤه.
فانظر: كيف كان سيّدنا الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وعنكم يحب أنْ يعرف مِن سيرة جده عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام كيما يتعلق به، ويزداد فيه حبًا وشهودًا.
سادساً: كثرة الصلاة والسلام عليه وآله صحبه الكرام، فهي مفتاح الخير، وسبب المكرمات.
وقد قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن تبارك اسمه.
سابعاً: كثرة الشّوق إليه، فهو دليل صدق المحبة والتعلق وقد شهدَ بذلك حبيبنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ فقَالَ:-
(مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
وما أحسن قول الشاعر:-
ما شمَمْتُ الوردَ إلا … زَادَني شَوقاً إليكَ
وإذا مَا مالَ غُصنٌ … خِلتُه يَـحنُو عَليكَ
لَسْتَ تَدْري ما الذي قَدْ … حَلَّ بِـي مِن مُقْلَتيْكَ
إِنْ يَكنْ جِسمي تَنَاءَى … فَالحشَا بَاقٍ لَديْكَ
كُلُّ حُسنٍ فِـي البَرايا … فَهْوَ مَنْسوبٌ إليكَ
كتاب الكشكول لمحمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي (1/100).
ثامناً: صحبة وارثيه، فهم الأدلاء عليه، الموصلون إليه، والواصلون لديه، فقد قال عليه أزكى الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ) الإمام ابن ماجة رحمه الله جلّ وعلا.
قال الإمام ابن عجيبة رحمه الله سبحانه :-
(والله ما أفلح مَن أفلح إلا بصحبة مَن أفلح، ولا سيما صحبة العارفين فساعة معهم تعدل عبادة سنين بالصيام والقيام وأنواع المجاهدة) تفسير البحر المديد (5/ 173).
ولله درّ الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله تعالى عنه وعنكم حيث قال في قصيدته العينية:-
فَشَمِّرْ ولُذْ بالأَوْليَاءِ فَإنَّهُمْ … لَهُمْ مِنْ كِتَابِ الله تلْكَ الوقَائعُ
هُمُ الذُّخْرُ لِلمَلهُوفِ والكَنْزُ لِلرَّجَا … وَمِنْهُمْ يَنَالُ الصَّبُّ مَا هُوَ طامعُ
بهِم يَهْتَدي للعينِ مَن ضَلَّ فِي العَمَى … بهِم يُجذَبُ العُشَّاقُ والرَّبْعُ شَاسِعُ
هُم الناسُ فالزمْ إنْ عَرفْتَ جَنَابَهُمْ … فَفِيهِم لِضُرِّ العالمين منافع
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد لأبي العباس ابن عجيبة (5/173).
ولمزيد بيان أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2510، 2281) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلَّم، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.