24/1/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله تعالى عنا خير شيخي ومتعك بالصحة والعافية..
سؤالي هو:-
ما هي طرق أو خطوات التخلص من التعلق بالدنيا أثناء الورد وخارج الورد في الحياة عموماً.. كيف يتم اخراج الدنيا من القلب وجعلها في اليد؟
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
إنّ الطريق الأمثل للتخلص مِن حبّ الدنيا، والتعلق بها هو التّفكّر في حالها، وأنّها زائلة مهما طالت، وأنّ ما عند الله تعالى خير وأبقى، فيستعد للقاء الله سبحانه، ويحذر من أن يطمئن للحياة الدنيا.
قال الحق تبارك وتعالى:-
{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [سورة سيدنا يونس عليه السلام 7-8].
إنّ مِن أكمل حال السالك طريق الهداية، الذاكر لمولاه جلّ في علاه، أن لا تشغله الدنيا وملذاتها عَن ذكر الله تعالى، وهنالك ثلاث خطوات تعين على التخلص من الانشغال بالدنيا حال ذكر الله جلّ جلاله:
الخطوة الأولى: الخطوة العلمية النفسية وتشتمل على أمور منها:
أولا: إدامة تعريف النفس أنّ الدنيا وكل ما فيها لا تساوي شيئا مقابل ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين الذاكرين، وأن العمل الصالح اليسير خير من الدنيا وملذاتها أجمع، قال الحق تباركت ذاته العلية:-
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [سورة القصص: 60-61].
وقال الله عزّ شأنه:-
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [سورة الشورى:20].
قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه أجمعين:-
(مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.
وقال عليه أزكى الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ؛ وَالحَمْدُ للهِ؛ وَلاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جل جلاله.
وقال صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين:-
(رَكعَتَا الْفجْر خيرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثانيا: الرضا بما قَسَمَ الله جلّ ثناؤه، ودوام استذكار نعمة الله تعالى، وشكرها.
قال حضرة خاتم النّبيّين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.
لا تَزْدَرُوا: أي لا تستخِفّوا ولا تحتقروا النِّعَم.
ثالثا: استشعار معية الله تقدست أسماؤه في حال الذكر وفي الحديث القدسي:-
(يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري جل جلاله.
الخطوة الثانية: الخطوة العملية وتشتمل على أمور منها:
أولا: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم الذي مِن أهدافه صدّ العبد عَن ذكر الله جلّ في علاه قال تعالى:-
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [سورة المائدة: 91].
ثانيا: التعامل مع الدنيا معاملة المسافر الراجع إلى بلده، فإن العاقل منهم لا يشتغل بإعمار دار السفر؛ لأنه يوقن أنه راحل منها لا محالة.
قال عليه أزكى تحية وسلام وعلى آله وصحبه الأعلام:-
(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) الإمام البخاري رحمه الباري جل في علاه.
ثالثا: الاكثار من البذل في سبيل الله جلّ ذكره فإنه يخفف من التعلق بالدنيا، ويلحق المرء بالصالحين قال عزّ شأنه:-
{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة المنافقون: 10- 11].
الخطوة الثالثة: خطوة التسليم والابتهال لذي الجلال:
وهي الخطوة التي يلجأ العبد المفتقر إلى مولاه المقتدر جلّ جلاله متضرعاً متذللاً راغباً بأن يخرج حب الدنيا من قلبه، وقد روي عن حضرة سيّدنا رسول الله – صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصبحه وسلم أنه قَلَّمَا كَانَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهؤلاء الدَّعَواتِ:-
(اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا) الإمام الترمذي رحمه العليّ سبحانه.
وكان من دعائه عليه الصلاة وأتمّ السلام وآله وصحبه الأعلام:-
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ القَبْرِ) الإمام الترمذي رحمة الله جلّ في علاه.
وفيما يخصّ التعلق بالدنيا أثناء الورد فهناك خطوات للتخلص مِن الخواطر أثناء الذكر تجدها في جواب السؤال المرقم (1412) فأرجو مراجعته في هذا الموقع الأغرّ.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله سبحانه على حضرة سيّد الوجود، ومنبع الهداية والجود، سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الزاهدين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.