15/3/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيدي الكريم هنالك صديق لي لديه مجمع تجاري للإيجار وقد عرض عليه أحد البنوك التجارية التي لا تحمل صفة المالية الاسلامية، يستفتي فيما إذا كان من الحلال أو الحرام إبرام عقد مع البنك.
جزاكم الله تعالى خيراً، وبارك في العاملين على هذا الموقع المبارك.
الاسم: مصطفى علي
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيبة، وأسأل الله جلّ وعلا لك التوفيق والسداد، إنّه سبحانه قريبٌ مجيب.
الأصل أنّ عقد الإيجار صحيح، ولكنّ الفقهاء رحمهم الله تعالى نظروا إلى المال، فألحقوا الكراهة أو الحرمة تبعاً له إنْ كان في البيع أو الإيجار ما يُؤدي إلى الحرمة.
قال الله عزّ شأنه:-
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة:2].
وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ينبغي للمسلم الحفاظ على أمواله مِن الشبهة والحرام تورعاً؛ لأنّ ذلك مُسْخِطٌ للرّبِ جلّ وعلا ومبعدٌ للعبد عَن مولاه سبحانه.
وللفقهاء رحمهم الله تعالى قاعدة فقهية معتبرة وهي ” ما يتوصل به الى الحرام فهو حرام ” وضربوا الأمثلة الآتية مثل بيع خشبة لِمَنْ يصنعها صليبا، أو بيع العنب لِمَنْ يصنعها خمرا، أو بيع السلاح لِمَنْ يقاتل المسلمين، ومثلها تأجيرالبيت لِمَنْ يتخذه للخنا والدّعارة، و المحلِّ لمن يبيع الخمور، وهكذا بشرط أنْ يعلم ذلك، أمّا إنْ كان لا يعلم فلا شيء عليه.
وإليك أقوال العلماء رحمهم الله جلّ ثناؤه في هذه المسألة:
أولا: السادة الحنفية ومَن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ – رَحِمَهُ اللَّهُ – بِظَاهِرِهِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ، وَالْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ – رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي قَصْدِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ قَصْدَهُ التِّجَارَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ حَلَالٌ لِاكْتِسَابِ الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ قَصْدُ الْمُشْتَرِي اتِّخَاذَ الْخَمْرِ مِنْهُ، وَهُوَ كَبَيْعِ الْجَارِيَةِ مِمَّنْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا، أَوْ يَأْتِيهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتَى، وَكَبَيْعِ الْغُلَامِ مِمَّنْ يَصْنَعُ بِهِ مَا لَا يَحِلُّ) المبسوط للإمام السرخسي رحمه سبحانه (6/24).
ثانيا: السادة المالكية ومَن وافقهم رضي الله جلّ ثناؤه عنهم وعنكم:-
(يَحْرُمُ بَيْعُ الدَّارِ، وَكِرَاؤُهَا لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ وَكَذَا لِمَنْ يَجْعَلُ فِيهَا الْخَمْرَ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا بَيْعُ الْخَشَبَةِ لِمَنْ يَعْمَلُهَا صَلِيبًا، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْأَبِيُّ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهَا خَمْرًا قَوْلَيْنِ قَالَ الْأَبِيُّ: وَالْمَذْهَبُ فِي هَذَا سَدُّ الذَّرَائِعِ كَمَا يَحْرُمُ بَيْعُ السِّلَاحِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ إثَارَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ …..عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ قَوْمٍ عَاصِينَ يَتَسَامَحُونَ فِي الْفَسَادِ وَعَدَمِ الْغَيْرَةِ، وَهُمْ آكِلُونَ لِلْحَرَامِ وَيُطْعِمُونَهَا مِنْهُ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للإمام الحطاب رحمه الوهاب جلّ وعلا (4/254).
ثالثاّ: السادة الشافعية ومَن وافقهم رضي الله جلّ جلاله عنهم وعنكم:-
(وَيُكْرَهُ بَيْعُ العِنَبِ مِمّنْ يَعْصِرُ الخَمْرَ، وَالتّمْرِ مِمّنْ يَعْمَلُ النّبِيذ، وبَيْعُ السّلَاحِ مِمّنْ يَعْصِى اْلله تَعَالَى بِهِ؛ لأنّهُ لا يَأمَنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعُونَةً عَلَى المَعْصِيَةِ فإنْ بَاعَ مِنْهُ صَحّ البَيّعُ لأنّهُ قَدْ لَا يَتَخِذُ الخَمْرَ وَلَا يَعْصِى الله تَعَالَى بِالسِّلَاحِ) المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه القوي جلّ في علاه (9/353).
رابعا: السادة الحنابلة ومَن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ العِنَبِ وَالعَصِيْرِ لِمَنْ يَتَخِذُهُ خَمْرَاً، وَلَا السِّلَاحِ لأَهْلِ الحَرْبِ، أَو لِمَنْ يُقَاتِل بِهِ فِي الفِتْنَةِ، وَلَا الأقْدَاحِ لِمَنْ يَشْرَبُ فِيْهَا الخَمْرَ، لأَنّهُ مَعُونَةٌ عَلَى المَعْصِيةِ فَلَمْ يَجُزْ، كإِجَارَةِ دَارِهِ لِبَيْعِ الخَمْرِ) الكافي في فقه الإمام أحمد للإمام ابن قدامة المقدسي رحمهما الله تبارك اسمه (2/12-13).
وعلى هُداهم سار المؤلفون المعاصرون مثل الشيخ وهبة الزحيلي رحمه الله سبحانه إذ قال:-
(قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى:-
يصح في الظاهر مع الكراهة بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح لمن يقاتل به المسلمين، لعدم تحققنا أنه يتمكن من اتخاذه خمراً أو يقاتل بالسلاح المسلمين، و يؤاخذ الإنسان على مقاصده. أما الوسائل فقد يحال بين الإنسان وبينها، والمحرم في البيع هو الاعتقاد الفاسد، دون العقد نفسه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب أي أن الحكم على العقد بظاهره شيء، والدافع إليه شيء آخر.
وقال المالكية والحنابلة رحمهم الله تعالى:-
بيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل، وكذا بيع السلاح لأهل الحرب أو لأهل الفتنة، أو لقطاع الطرق، سداً للذرائع؛ لأن ما يتوصل به إلى الحرام فهو حرام، ولو بالقصد، ولقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/ 5] وهذا نهي يقتضي التحريم، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل) ينظر الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي رحمه الله تعالى:( 5 / 3454).
يتبيّن لنا بعد نقل أقوال الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم صحة العقد مع الكراهة عند السادة الحنفية والشافعية رحمهم ربّ البرية جلّ وعلا، وبطلان العقد وحرمته عند المالكية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2682) في هذا الموقع المبارك.
والله تقدّست أسماؤه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين