29/4/2025

نص السؤال:

سيدي الشيخ أطال الله تعالى عمرك

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الله يكرمكم سيدي وينفع بكم بعدد الذين انتفعوا من هذا الموقع المفيد..

أحب أن أسمع التلاوة العراقية كثيرا، لكن بعد أنْ تعلمت أحكام التجويد وجدت كثير من القراء العراقيين لا يراعون أحكام التجويد خاصة في المدود والغنة، فيمدون في غير مواضع المد. ويقدمون أحكام المقام العراقي على أحكام التجويد. فهل يجوز هذا يا سيدي في أحكام التلاوة.

بارك الله فيك شيخي ونفع بك المسلمين.

والسلام عليكم.

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكر زيارتكم لهذا الموقع المبارك.

الجواب باختصار:-

ينبغي على من يتصدر لقراءة القرآن الكريم أنْ يجيد أحكام التلاوة وأنْ يسخر أحكام المقام للتلاوة لا العكس.

التفصيل:-

إنَّ تلاوة القرآن الكريم مِن أعظم القربات إلى الله تعالى ربّ العالمين ونيل المعية المباركة، وقد يتأتى هذا القرب وهذه المعية لمَن يُحسن تلاوة القرآن الكريم، ولمن لم يحسن حسب حاله وصدقه، لكنْ أنصح مَن يتصدر لتلاوة القرآن الكريم في المساجد والمحافل ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها ممّن تسجل وتوثق تلاوته أن يتقن أحكام التلاوة، وقد جاءت نصوص في كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأقوال صالحي وعلماء الأمة تحض وترشد إلى ذلك.

فمن هدايات القرآن العظيم قوله تعالى:-

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [سورة الفرقان: 32].

وقوله سبحانه:- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} [سورة المزمل: 4].

ومِن هدايات السنة النبوية الشريفة، عن سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وعنكم عَنِ سيّدنا النَّبِيِّ صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه قَالَ:-

(خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.

وعَنْ أمِّنا عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها وعنكم، عَنِ سيّدنا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تعالى وَسَلَّمَ عليه وآله وصحبه قَالَ:-

(الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ) الإمام النسائي رحمه الله الهادي سبحانه.

وعَن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وعنكم، أنّ سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه قال:-

(لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)، فقال أبو موسى :-(لو علمتُ يا رسول الله أنّك تستمع لحبّرته لك تحبيرا) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

و قال سيدنا رسول الله صلى الله  تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

ومن أقوال العلماء العاملين قال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى سمعت أبي يقول:-

(رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم) التبيان في آداب حملة القرآن ص (227).

وقد ذكر شيخنا وأستاذ جيلنا حضرة الدكتور عبد الله بن مصطفى الهرشمي طيب الله تعالى روحه وذكره وثراه في مبحث أطوال المدّ ومقياسها في مباحث:

الأول: في تحبيذ استعمال النغم واللحن في التلاوة.

والثاني: في عدم تحبيذ النغم واللحن في التلاوة.

وبعد ذكره رضي الله تعالى عنه وعنكم أقوال العلماء في ذلك؛ قال:-

(ينبغي أن نتذكر أنَّ اللحن والغناء والنغم هي بعض هذا الموضوع المبحوث في شأنه، إذ التساؤل عنه بداية كأنه هكذا: هل يحسن شرعا أم يقبح استعمال هذه في قراءة الكتاب المجيد؟ وليس مما نظنه يخفى أن للغناء وألحانها وللموسيقى وألحانها أصولا وقواعد تختلف وتتغاير كتغاير اللغات والأقوام والآداب، فقد كان وما يزال للعالم الاسلامي غناؤه وألحانه؛ أعني أن لكل مجموعة حضارية مجموعة من الألحان والغناء تتحد على أصول من فنون الغناء وتتنوع على فروع من فنون الغناء، فتكوّن جملتها مجموعة فنية كبرى ذات طابع متميز هو الوسم الذي به يعرف انتماء المجموعة إلى الحضارة التي ترعرعت هي معها ضمن كيانها المتراص المتشابك.

والمقامات في البلاد الاسلامية على وجه العموم وفي العراق المقامات العراقية على وجه الخصوص – وهذه أوسع ما تكون أصولا وفروعا – إنما هي فنون منمقة تأسست قواعدها وتنوعت أصول أدائها فصارت الذروة بين الألحان والأنغام تتموج في أجوائها ثقافة عميقة تأخذ بالفكر الواعي من مغرب الحضارة الإسلامية القاتم اليوم إلى مشرقها الأزهر المزدان في صدر زمانها الأول أيام مدارس الغناء في المدينة المنورة ثم في عراق المنصور والرشيد والمعتصم) مجمع الأشتات الصفحات (321، 323، 339).

فمن خلال تشرفنا بهذه النصوص الكريمة الجليلة يتبين لنا أنّ  تعلم قراءة القرآن الكريم القراءة الصحيحة واجبةٌ وفق الضوابط التي وضعها لنا علماء التلاوة، وتزيين وتحبير القراءة وهو ما يعرف اليوم بالمقام مما يرقق القلب ويجعله يرتقي في مقامات القرب مِن الحق تعالى؛ لأنّنا نتلوا كلام ربنا سبحانه لِنَنَال القرب والمعية منه جلَّ في علاه، والذي يجد مشقة في قراءة القرآن الكريم هو على خير كثير بل ويثاب، فقد جعل الشرع الشريف له أجران.

فالواجب على القارئ أولا أنْ يضبط أحكام التلاوة ضبطا محكما ومِن ثَمَّ قراءة القرآن العظيم بأحكام المقام على أنْ يُسَخّر المقام لأحكام تلاوة القرآن لا العكس.

فأنصح مَن يُريد أنْ يُجمّل ويحسّن صوته بالنّغم العراقي أنْ يضبط أحكام التلاوة عند عالم متقن ومجاز في أحكام التلاوة ليكون مدرسة لغيره مِن المبتدئين.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم: (1867) في هذا الموقع المبارك.

والله تقدست أسماؤه أعلم.

وصلى الله تعالى وسلّم على مَن أنزل عليه إقرأ باسم ربك الذي خلق وآله وصحبه أهل السبق.