3/6/2025

نص السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة شيخي وقرة عيني الدكتور سعد الله أحمد عارف البرزنجي المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله تعالى أن يمنّ عليكم بالصحة والعافية والعمر المديد، وأنْ ينفعنا وكافة المسلمين من بركات علومكم الشريفة، ويجازيكم والقائمين على هذا الموقع المبارك خير الجزاء إنه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه.

 

السؤال:-

في السنوات الأخيرة نلاحظ حصول ازدحام شديد في الحرم المكي الشريف وخاصّة في موسم الحج، وفي عمرة شهر رمضان المبارك، بحيث يتم أحيانا غلق مداخل المسجد الحرام…. وحيث أنّ الطواف حول الكعبة المشرفة كالصلاة يشترط له الطهارة من الحدث، كما أنّ صلاة ركعتي سنة الطواف واجبتان عند السادة الأحناف والمالكية، فكيف يتصرّف مَنْ يحبسه حابس كأنْ ينتقض وضوؤه خلال الطواف في مثل هذه الازدحامات، خاصّة أنّ محلات الوضوء بعيدة عن صحن وطوابق الطواف، ويتعذر على الحاج أو المعتمر -وخاصة كبار السن- الوصول إليها والعودة إلى محل الحبس؟

الاسم: عبد العزيز الحيالي أبو عمر

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على دعواتك الطيبة، وأسأل الله جلّ وعلا لكم بمثلها وزيادة يحبها لعباده الصالحين، ويمنّ علينا جميعا بحج وعمرة لبيته الحرام، إنّه سبحانه سميع قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

الطهارة مِن الحدث شرط لصحة الطواف عند جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وواجبةٌ عند السادة الحنفية رحمهم الله سبحانه يجب الدم بتركه.

وبالتالي فلا بدّ منها، ثمّ هناك محلات قريبة من المطاف لإعادة الوضوء فقط، واستخدامها يسيرٌ.

التفصيل:-

يقول الله جلّ جلاله:-

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [سورة الحج: 29].

الطواف ركن من أركان الحج والعمرة، فيجب الإتيان به، ولا يتحدد بزمن، إلا أنّه يجب بالحج في أيام النحر عند الإمام أبي حنيفة فقط دون الجمهور رحمهم الله سبحانه جميعاً.

وللطواف شروط لصحته عند الجمهور رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومنها، الطهارة مِنَ الحدث، وهو واجب عند السادة الحنفية رحمهم الله سبحانه يجب بتركه الدم، وعليه لا بدّ من الإتيان به، وإن احتاج الحاج أو المعتمر إلى تجديد الوضوء فقط فهناك محلات للوضوء قريبة جدًّا مِنَ المطاف وليس هناك حرج في ذلك.

أمّا إذا اضطر إلى الخروج لقضاء حاجة فينبغي بعدما ينتهي من ذلك أنْ يعود مرّة أخرى بحسب الوقت المناسب له لإتمام طوافه مِن حيث ما انتهى، أو يعيد الطواف مرّة أخرى فلا حرج في ذلك.

قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله تعالى:-

(وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ فَإِذَا طَافَ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ جَبْرٌ لَهُ بِجِنْسِهِ، وَجَبْرُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَبْرِ وَهُوَ التَّلَافِي فِيهِ أَتَمُّ، ثُمَّ إنْ أَعَادَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، — وَإِنْ لَمْ يُعِدْ، وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) بدائع الصنائع (2/129).

وقال الإمام العمراني رحمه الله عزّ وجلّ:-

(لَا يَصِحّ الطَّوَافُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ عَنِ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ، وَسِتْر العَوْرَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.

وَقَالَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ: الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الطَّوَافِ، فَإِنْ طَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ … صَحَّ طَوَافُهُ، وَيَجْبُرُهُ بِالدَّم) البيان في مذهب الإمام الشافعي (4/273).

أمّا ما يتعلق بركعتي الطواف فهي وإنْ كانت واجبة عند السادة الحنفية رحمهم الله تعالى إلاّ إنّه تجوز صلاتها حتى لو عاد إلى وطنه إنْ فاته أنْ يصلّيها في الحرم فإنّها لا تفوت.

فقد جاء في كتاب المنسك المتوسط وهو من كتب السادة الحنفية رحمهم ربّ البرية جلّ وعلا ما نصه:-

(وَلَوْ تَرَكَ رَكْعَتَيّ الطَّوَافِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا تَسْقُطَانِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيْهِمَا وَلَوْ بَعْدَ سِنِيْنَ) المنسك المتوسط: 218.

وذهب الجمهور إلى أنّها سنة مؤكدة، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:-

(إذا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ صَلّى رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَهُمَا سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ على الأصَحِّ… فَإنْ لَمْ يُصَلّهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ لِزَحْمَةٍ أوْ غَيْرِهَا صَلّاهُمَا فِي الحِجْرِ، فَإنْ لمْ يَفْعَلْ فَفِي الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَرَمِ، وَإِلَّا فَخَارِجَ الْحَرَمِ، وَلَا يَتَعَيّنُ لَهُمَا مَكَان وَلَا زَمَان بَلْ يَجُوزُ أنْ يُصَلّيَهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلى وَطَنِهِ، وَفِي غَيْرِهِ، ولا يفُوتَانِ مَا دَامَ حَيَّاً) الإيضاح: 244.

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (956) في هذا الموقع المبارك.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.