15/6/2025
نص السؤال:
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
اللهم صل وسلم وبارك على حبيبك نبينا محمد ربيع قلوبنا وعلى آله وصحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
شيخي الكريم.
تقبل الله طاعتكم ورفع درجاتكم في الدنيا والآخرة في رضاه وفي الصالحين مع العافية آمين..
شيخي الكريم هل هناك حد أعلى وحد أدنى للمسلم العادي وللمؤمن في قوله تعالى: “(ومحياي ومماتي لله رب العالمين)” ؟
الاسم: أحمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
تَقبّلَ الله جلّ في علاه دعواتكم الكريمة، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
إنّ كون حياةِ المؤمنِ ومماتهِ لمولاه جلّ في علاه مَراتِبُ ومَنازِلُ متفاوتة؛ فأدناها أنْ يكون محافظاً في حياته على ما افترضه الله تعالى عليه، وأعلاها أنْ لا يغفل عَنِ الحقّ تبارك اسمه وعَنْ ذكره في كلّ لحظة ونَفَس.
إنّ قول الله عزّ وجل:-
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 162].
من أعظم الآيات التي تُبيّن ما ينبغي أنْ يكون المؤمن عليه في مراحل حياته الدنيوية.
قال الإمام ابن عطية الأندلسي رحمه ربّ البرية جلّ ثناؤه:-
(وقوله {قُلْ إِنَّ صَلاتِي} الآية، أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته من ذبيحة، وغيرها وتصرفه مدة حياته وحاله من الإخلاص، والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/ 369).
وأمّا المراتب في التأسي بحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام في هذا فمتعددة ومنها:
أولا: على أقل تقدير أنْ يكون المؤمن محافظاً على ما افترضه الله تعالى عليه ومصداق هذا ما روي:-
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ») الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ثانيا: أن يزيد المؤمن بعد محافظته على الفرائض المحافظةَ على النوافل من العبادات، ومصداق ذلك ما روي عن الصحابي الجليل أبي هريرة – رضي الله سبحانه عنه وعنكم – قَالَ: قَالَ رَسُول الله – صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(إنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ عادى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بشَيءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أحِبَّهُ، فَإذَا أَحبَبتُهُ كُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشي بِهَا، وَإنْ سَأَلَني أعْطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلَّ جلاله.
ثالثا: بعد محافظته على الفرائض والنوافل يحرص أن تكون أفعاله المباحة من أكل وشرب ونوم ووظيفة ومهنة وصنعة ونحو ذلك بواسطة نيّةٍ حَسنةٍ خالصةٍ لله جلّ جلاله وعمّ نواله، ومصداق ذلك قوله عليه أزكى صلاة وسلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
قال الإمام الإسنوي رحمه العليُّ سبحانه:-
(المباحات لا تكون عبادة إلا إذا نوى بها العبادة: كالأكل والشرب يقصد بهما التقوى على الطاعة، والجماع يقصد به إعفاف نفسه وزوجه وحصول نسل يعبد اللَّه تعالى، وترك الزنا والخمر مثلا يقصد به امتثال نهى الشارع.
وهكذا كل فعل يصح أن يكون عبادة لا بد فيه من القصد؛ ليكون عبادة يترتب عليها الثواب، وإليه يشير حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الحديث متفق عليه، فيبقى استحضار النية عند المباحات والعادات؛ ليثاب عليها ثواب العبادة، ولا مشقة عليه في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه مستلذة) مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق (234/1).
وما روي عن سيدنا مُعَاذِ بن جَبَلٍ أنه قال لِأَبِي مُوسَى رضي الله سبحانه عنهما وعنكم:-
(كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قَالَ: قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي، وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي، كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
ومعنى قول سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وعنكم:-
((فَاحْتَسَبْتُ نَوْمَتِي كَمَا احْتَسَبْتُ قَوْمَتِي ) أَنَّهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ فِي الرَّاحَةِ كَمَا يَطْلُبُهُ فِي التَّعَبِ؛ لِأَنَّ الرَّاحَةَ إِذَا قُصِدَ بِهَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ حَصَّلَتِ الثَّوَابَ) فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (8/ 62).
فهنا يتفاوت المؤمنون في نسبة كون الحياة لله ربّ العالمين، فكلما استحضر المؤمن النيات الصالحة كانت حياته أقرب لما يرتضيه الحق تبارك وتعالى.
وأمّا ما يتعلق بالممات لله جلَّ في علاه، ففيه مراتب:
أولا: أن يبذل روحه العزيزة في سبيل الله تعالى فينال الشهادة ابتغاء وجه الله سبحانه.
قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُم ْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [سورة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: 4-6].
ثانيا: أن يحرص على حسن الخاتمة فقد جاء عن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشرّف وعظم أنه قال:-
(يُبْعَثُ كُلُّ عَبدٍ عَلى مَا مَاتَ عَليهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ثالثا: أن يحرص على الأعمال التي لا ينقطع ثوابها بعد موت الإنسان كالأوقاف والصدقات الجارية، وتربية الأبناء وتعليم العلوم قال حضرة الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين:-
(إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
رابعا: وهي خاصة بالكُمَّلِ من الخلق الذين لهم في حياة البرزخ الحياة العظمى، من الأنبياء الكرام صلوات الله تعالى عليهم، ومن كان على نهجهم الشريف من عباد الله الصالحين.
قال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الغفور سبحانه في تفسير هذه الآية الكريمة:-
(يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَمَاتِ مَا يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ تَوَجُّهَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ نَحْوَ أُمَّتِهِ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَالظُّهُورِ لِخَاصَّةِ أُمَّتِهِ فِي الْمَنَامِ فَإِنَّ لِلرَّسُولِ بَعْدَ مَمَاتِهِ أَحْكَامَ الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الْكَامِلَةِ كَمَا
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلَامَ» وَكَذَلِكَ أَعْمَالُهُ فِي الْحَشْرِ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ وَالسُّجُودِ لِلَّهِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَتِلْكَ أَعْمَالٌ خَاصَّة بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا لِنَفْعِ عَبِيدِهِ أَوْ لِنَفْعِ أَتْبَاعِ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لَهُمْ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {وَمَماتِي} هُنَا نَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ
فِي الْحَدِيثِ: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ») تفسير التحرير والتنوير (8 / 202).
ولمزيد بيان أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (3073) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.