19/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
نحن نعلم أن الإنسان عندما يموت يدخل في البرزخ وجسده يعذب ولكنه في نفس الوقت جسده يوجد في الدنيا ويتحلل فهل هذا جمع بين ضدين لأن الجسد يوجد في مكانين ولكني قرأت أنه لا يوجد ما يسمى جمع بين ضدين فهل يمكن توضيح هذا الأشكال؟
وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سائلة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
عَذَابُ القَبْرِ وَنَعِيْمُهُ، كَمَا تَفَضّلْتُم مِن عَالَم البَرْزَخْ، وَهُو غَيْرُ عَالَمِنَا، وَالإِيْمَانُ بِهِ مِنْ الإِيْمَانِ بِالْغَيْبِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قِيَاسَاتِنَا القَاصِرَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّنَاقُضُ وَالتّضَادّ لاخْتِلَافِ العَالَمَيْن، وَالأَوْلَى للمُسْلِمِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ دُوْنَ الخَوْضِ فِي كَيْفِيّتِهِ.
قد صرّح أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، بأنّ أحكام القبرِ وما يكون فيه مِن النّعيم أو العذاب في حكم الغيب الذي يَجِبُ الإيمان به دون الخوض في تفاصيله.
قال الإمام الهرري رحمه الله عزّ وجلّ:-
(عَذَابُ القَبْرِ هُوَ عَذَابُ البَرْزَخِ، أُضِيْفَ إِلى القَبْرِ؛ لأَنَّهُ الغَالِبُ، وَإِلْا فَكُلّ مَيّتٍ أَرادَ اللهُ تَعْذِيْبَهُ نَالَهُ مَا أَرَادَ بِهِ، قُبِرَ أَو لَمْ يُقْبَرْ، بِأَن صُلِبَ أَوْ غَرِقَ فِي البَحْرِ، أَو أُحْرِقَ حَتى صَارَ رَمَادًا، وَذُرِيَ فِي الجوِ، قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: مَنْ تَفَرّقَتْ أَجْزَاؤُهُ يَخْلُقِ الله الحَيَاةَ فِي بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا، وَيُوّجّهُ السُؤالُ عَلَيْهَا، وَمَحَلُّ العَذَابِ وَالنَّعِيْمِ؛ أَيْ: فِي القَبْرِ هُوَ: الرُّوْحُ وَالبَدَنُ جَمِيْعًا بِاتِفَاقِ أَهْلِ السُنّةِ، قَالَ الفَقِيْهُ أَبُو اللّيْث: الصّحِيْحُ عِنْدِي أَنّ يُقِرّ الإِنْسَانُ بِعَذَابِ القَبْرِ وَلا يُشتَغل بِكَيْفِيْتِهِ) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (25/ 213).
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في تقرير ذلك وتقريبه:-
(وَأَمّا عَذَابُ القَبْرِ فَقَدْ دَلّت عَلَيْهِ قَوَاطِعُ الشّرْعِ إِذْ تَوَاتَرَ عَنِ النّبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَنِ الصَحَابَةِ رَضِي الله عَنْهُم بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فِي الأًدْعِيْةِ … وَهُوَ مُمْكِنٌ، فَيَجِبُ التّصْدِيْقُ بِهِ. وَوَجْهُ إِمْكَانِهِ ظَاهِرٌ، وَإِنّمَا تَنْكُرُهُ المُعْتَزِلَةُ مِنْ حَيْثُ يَقُولُونَ إِنّا نَرَى شَخْصَ المَيّتِ مُشَاهَدَةً وَهُوَ غَيْرُ مُعَذَبٍ وِإِنّ المَيّتَ رُبّمَا تَفْتَرِسُهُ السِّبَاعُ وَتَأكُلُهُ، وَهَذا هَوَسٌ؛ أَمّا مُشَاهَدَةُ الشّخْصِ فَهُوَ مُشَاهَدَةٌ لِظَوَاهِرِ الجِسْمِ وَالمُدْرِكُ للِعِقَابِ جُزْءٌ مِنَ القَلْبِ أَو مِن البَاطِنِ كَيْفَ كَانَ وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ العَذَابِ ظُهُورُ حَرَكَةٍ فِي ظَاهِرِ البَدَنِ، بَلْ النّاظِرُ إِلى ظَاهِرِ النّائِمِ لَا يُشَاهِدُ مَا يُدْرِكُهُ النّائِمُ مِنَ اللّذَةِ عِنْدَ الاحْتِلَامِ وَمِنَ الأَلَمِ عِنْدَ تَخَيُّلِ الضّرْبِ وَغَيْرِهِ، وَلَو انْتَبَهَ النّائِمُ وَأَخْبَرَ عَنْ مُشَاهَدَاتِهِ وَآلَامِهِ وَلَذْاتِهِ مَنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ عَهْدٌ بِالنّومِ لَبَادَرَ إِلى الانْكَارِ اغْتِرَارَاً بِسُكُونِ ظَاهِرِ جِسْمِهِ ) الاقتصاد في الاعتقاد :(1/ 117- 118).
ولمزيد بيان أرجو مراجعة السؤال المرقم (2349) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.