20/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
في الحقيقة لقد علمت أن حال البدن في البرزخ مختلف وأن العذاب يلحق الروح ثم يحس به البدن بخلاف الدنيا ففي الدنيا العكس فهل عند سؤال الملكين للميت الأصل أنهم يجلسون روحه وبدنه يحس بأنه جلس لذلك نحن لا نرى جلوسه هل كلامي صحيح؟ وجزاكم الله خيرا.
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
عذاب القبر ونعيمه، كما تفضلتم من عالم البرزخ، وهو غير عالمنا، والإيمان به من الإيمان بالغيب، فلا يدخل تحت قياساتنا القاصرة، والأولى في المسلم أن يؤمن به دون الخوض في كيفيته، وقد ثبت اجلاس الميت في قبره في الصحيح من سنة حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام فعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنه وعنكم، قَالَ:-
(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَقَالَ: (وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ: وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
قد تعددت أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم في تفسير إجلاس الملكين للميت بعد اتفاقهم على الإيمان بجميع ما جاء من المغيبات التي ثبتت عن حضرة سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه ومن والاه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنّه عبارة عن إيقاظه من موته وردّ الروح فيه دون زيادة حركة في بدنه، كما يقال: أقعدت النائم أو أجلسته، أي: كنت سبباً في نقله من حالة النوم إلى حالة الصحو.
قال الإمام علي القاري رحمه الله عز وجل:-
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِقْعَادِ الْإِيقَاظُ وَالتَّنْبِيهُ، وَإِنَّمَا يُسْأَلَانِ عَنْهُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 204).
القول الثاني: أنّ الله تعالى يفسح للميت في قبره حيث يجلس حقيقة، وما ذلك على الله تعالى بعزيز.
قال الإمام المناوي رحمه الله جل جلاله:-
(فيقعدانه حقيقةً بأنْ يُوسعَ اللحدُ حَتى يَجلسَ فيه) فيض القدير (2/ 372).
القول الثالث: أنه يجلس جلسة لا يمكن قياسها في عالم الشهادة لأنها من عالم الغيب، فكما لا نرى الملكين ولا نسمعهما، ولا نسمع جوابه لهما، فكذلك لا نرى جلوسه في حضرتهما.
قال الشيخ ابن القيم رحمه الفرد الصمد:-
(تبين لَك أَن مَا أخبر بِهِ الرَّسُول من عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وَكَونه حُفْرَة من حفر النَّار أَو رَوْضَة من رياض الْجنَّة مُطَابق لِلْعَقْلِ، وَأَنه حق لَا مرية فِيهِ، وَإِن من أشكل عَلَيْهِ ذَلِك فَمن سوء فهمه وَقلة علمه أَتَى كَمَا قيل:
وَكم من عائب قولا صَحِيحا … وآفته من الْفَهم السقيم.
وأعجب من ذَلِك أَنَّك تَجِد النائمين فِي فرَاش وَاحِد، وَهَذَا روحه فِي النَّعيم، وَيَسْتَيْقِظ وَأثر النَّعيم على بدنه، وَهَذَا روحه فِي الْعَذَاب، وَيَسْتَيْقِظ وَأثر الْعَذَاب على بدنه، وَلَيْسَ عِنْد أَحدهمَا خبر عِنْد الآخر، فَأمر البرزخ أعجب من ذَلِك) كتاب الروح (1/64).
ولمزيد بيان أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2349) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.