23/10/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سؤالي هو:-
ما معنى أن المؤمن يفتح له في قبره باب إلى الجنة هل معناه أنه يصبح عند القدرة على أن تصعد روحه عبر السماوات لتصل إلى الجنة لماذا لا أستطيع استيعاب ذلك؟
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
قد ثبت من نصوص الكتاب والسنة عن حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام أن المؤمن ينعم في قبره من طرق كثيرة حتى بلغت حد التواتر، فحري بالمؤمن الصادق أن يعتقد ذلك اعتقادا جازما تصديقا لمن لا ينطق عن الهوى، وإيمانا بالغيب، ولما كان البرزخ عالما يختلف في قوانينه عن عالمنا الدنيوي، فلا غرابة بعدم قدرتك على استيعاب ذلك؛ لأن أمور البرزخ غيبية، لا تُقاس بعالم الدنيا، ولا بحواسنا المألوفة.
ونحن نُؤمن بها لأنها ثابتة بالنصوص الشرعية، ونُسلّم بأنها حق، وإن لم نُدرِك كيفيتها تمامًا، كما نؤمن بالملائكة والجنة والنار رغم أننا لا نراها.
قال تعالى:-
{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [سورة غافر: 46].
قد جاءت أحاديث كثيرة في إثبات نعيم القبر وعذابه عياذا بالله تعالى فمن ذلك:
1- ما روي عن سيدنا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أَنَّ سيدنا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم قَال:-
(إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
2-عن الصحابي الجليل أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله سبحانه عنه وعنكم قَالَ: قَالَ سيّدنا النَبِيُّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إِنَّ الْعَبْدَ، إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ قَالَ: يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ في علاه.
3- عَنْ سيّدتنا أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها وعنكم قَالَتْ:-
(دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ثناؤه.
4- عَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عز وجلّ عنه وعنكم قَالَ: قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللهِ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم:-
(إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَلِلْآخَرِ النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) الإمام الترمذي رحمه العليّ سبحانه.
وغير ذلك من الآثار الشريفة التي فيها دلالة صريحة على ثبوت نعيم القبر لمَن أطاع الله جلّ في علاه، فيجب الإيمان بها، وأما كيفتها وهل تكون بإمكانية انتقال الروح بسرعة مِن القبر إلى الجنة، ونحو ذلك مِن الافتراضات، فلا يمكن الجزم بها لأنّ عالم البرزخ له قوانينه الخاصة التي لا تشابه فيها مع قوانين الحياة الدنيا، فلا يمكن إقحام العقل القاصر في هذه التفاصيل.
ومن باب التقريب أن الشخص قد ينام ويرى نفسه في نعيم مقيم وتنتقل روحه في ثوان معدودة إلى ملكوت السماوات والأرض، فهذا ليس عجيبا في قدرة الحق جلّ في علاه.
ونحن نرى في واقعنا اليوم أنّ الشخص يتصل بثوانٍ معدودة مِن مشرق الأرض إلى أخ له في مغربها فيراه ويأنس به، عَن طريق الهاتف الجوال، وهذا مِن صنع المخلوقين، فكيف بصنع أحسن الخالقين جل في علاه؟
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2349) في هذا الموقع الأغرّ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه وشرف وعظّم.