25/10/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شيخنا الفاضل ما حكم كتابة رسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه – تخصص يتعلق بالعلوم الشرعية أو العلوم الأخرى – من قبل مكاتب متخصصة في ذلك وأشخاص متمكنين من العلوم الشرعية مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى ثلاثة مليون أو أربع مليون عن الرسالة أو الاطروحة وكذلك بيع كتب مؤلفة من قبل المؤلف لشخص يقوم بوضع اسمه على المؤلف بعد الاتفاق على مبلغ معين مع المؤلف الأصلي للكتاب وقد استدل بعضهم على مشروعية هذا العمل بالآتي :

1- أنه يشبه عمل المشرف العلمي فهو يدون الملاحظات للطالب

2- أنه جهد علمي يمكن بيعه كالحقوق الفكرية للمؤلف عندما يسمح لدار نشر بطباعة كتابه فهي بضاعة فكرية يمكن بيعها.

 -3بعض المتقدمين من العلماء نسب لنفسه مؤلفا وعند التحقق تبين أنه لمؤلف آخر فإذا كان هذا السلوك ظاهرا عن بعض المتقدمين فيمكن اعتباره عند المتأخرين من باب أولى.

وجزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل.

 

الاسم: نصر الجواري

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلكَ مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيبة المباركة، وأسأل الله لك بمثلها وزيادة.

 

الجواب باختصار:-

هذا العمل لا يصح شرعاً؛ ففيه غش للمسلمين، لأنّ هذا الجهد ليس لهُ وهو ينسبهُ إلى نفسه، وينبغي لمَن فعلهُ التوبة إلى الله عزّ وجلّ، وعدم العودة إلى ذلك العمل.

وبالنسبة للأدلة التي اسْتُدِلَ بها على جواز هذا الفعل فسيأتي بيان فسادها في التفصيل إنْ شاء الله تعالى.

التفصيل:-

قال الله جلّ وعلا:-

{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف: 85].

إنّ مِن صور الفساد في الأرض كتابة الرسائل والأطروحات للطلبة والباحثين، وهذا يساهم في انتشار الجهل وانحطاط الأمم وتخلّف أهل تلْكم البلاد.

ثمّ أنّى لطالب العلم شرعياً كان أو غيره أنْ يقبل بذلك وهو يسمع قول الله عزّ شأنه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

وقول سيّدنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

عَرْفَ الْجَنَّةِ: رِيحَهَا.

وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) الإمام مسلم رحمه المنعم.

قال الإمام الخطابي رحمه الباري:-

(لَيْسَ عَلَى سِيرَتِنَا وَمَذْهَبِنَا يُرِيدُ أَنَّ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَتَرَكَ مُنَاصَحَتَهُ فَإِنَّهُ قَدْ تَرَكَ اتِّبَاعِي وَالتَّمَسُّكَ بِسُنَّتِي) معالم السنن (3/118).

قال الإمام المناوي رحمه الله سبحانه:-

(أَي لَيْسَ عَلَى مَنْهَاجِنَا لِأَنَّ وَصْفَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقَتَهُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّغْبَةُ فِيهَا، وَعَدَمُ الشَّرَهِ وَالطَّمَعِ الْبَاعِثَيْنِ عَلَى الْغِشِّ) فيض القدير شرح الجامع الصغير (6/186).

قال الإمام الفاكهاني رحمة المتعالي:-

 (أي: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا، وَلَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْينا) رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3/248).

أمّا ما ذكرتَ مِن الاستدلال بهذه الأعمال يجاب عنها بما يأتي:

عمل المشرف: كالمعلم يعلم ويوجه ويشرح ولا يكتب لأحد؛ لأنّ الكتابة تتعدى حدود التعليم.

وبيع حقوق الطباعة: فهو حقٌ لمؤلف الكتاب وليس إعطاء الجهد للأخرين، ويبقى الكتاب باسمه.

وبالنسبة لما ذُكِر بأنَ عدداً مِن العلماء نسب كتباً لنفسهِ فهذا إمّا خطأ مِن النساخين، أو تشابه بين أسماء الكتب والمؤلفين، ويظهر عند التحقيق، وإذا وقع عمداً فهذا يكون لترويج بعض الكتب وهذا لا يصح شرعاً، وإنّما الأصل أنْ يُنسب إلى صاحبه، كما قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى:-

(نِسْبَةُ الفَائِدَةِ إِلَى مُفِيدِهَا مِنَ الصِّدْقِ فِي العِلْمِ وَشُكْرِهِ، وَأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ فِي العِلْمِ وَكُفْرِهِ) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (1/181).

وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله عزّ وجلّ:-

(إِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْ تُضِيَفَ الشَّيْءَ إِلَى قَائِلِهِ) جامع بيان العلم وفضله (2/922).

ولمزيد فائدةٍ أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (3245 ،541) في هذا الموقع الميمون.

والله جلّ ثناؤه أعلم.

وصلى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.