26/10/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي حضرة الشيخ، أسال الله أن يحفظكم وينفعنا والمسلمين ببركة دعائكم سيدي حضرة الشيخ.
سؤالي هو:-
أين تسكن الروح بعد الانتقال من الموت سواء كانت للمؤمنين أو لغيرهم؟
الاسم: سعد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكراً جزيلاً على دعواتكَ الطيبة، وحُسن تواصلكَ مع هذا الموقع المبارك.
الأرواح في البرزخ متفاوتة من حيث منازلها وقربها من ربها عزّ وجلّ:-
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ*هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة أل عمران: 162-163].
فهناك أرواح في أعلى عليّين، وأرواح في حواصل الطير تسرح في الجنّة، وأرواح تبقى عند باب الجنة محبوسة عنده، ومنها ما يبقى في القبر أو في الأرض، وكذلك مِن الأرواح ما تكون في نهر مِن الدم وتُلقى في الحجارة، وكل ذلك وارد في سنّة سيّدنا النّبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين.
قال تعالى:-
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء: 85].
فعالم الأرواح عالمٌ غَيْبِيٌّ كَبِيرٌ، والحديث عنه إنّما يكون على وفق ما وَرَدَ في الشرع الشريف والوقوف عند حدود ما نعلم، قال عزّ من قائل:-
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 36].
ومسألة مستقر الأرواح بعد الموت مِن المسائل التي تعددت فيها آراء العلماء، فالبعض قالوا: إنّ أرواح المؤمنين مستقرّها عند الله، سواءً كانوا مِن الشهداء أم مِن غيرهم، شرط عدم وجود ما يمنعهم و يحبسهم عن الجنة كارتكاب كبيرة مِن الكبائر، أو وجود الدَّيْن.
فلحظةُ الموت وخروج الروح مِن الجسد مِن أخطر اللحظات التي يواجهها الإنسان على الإطلاق؛ حيث إنّ فيها بداية الانتقال مِن عالم الشهادة المحسوس الذي عاشه الإنسان وكان مألوفاً عنده، إلى عالم كان غيباً بالنسبة له، ولا يعلم حقيقته، وهذه الحياة تبدأ بالموت الجسدي، فيصير الإنسان بعده في عالم البرزخ الذي يختلف تماما عما كان يعيشه ويعرفه، وفي هذه اللحظات يرى الإنسان الملائكة ويسمع كلماتهم التي تتعلق بمآله، فمصيره إمّا النّعيم الأبديّ، أو العذاب المُقيم، ومستقرُ الأرواح بعد الموت، تتلخص على النحو الآتي:
1- أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، حيث تكون في أعلى المنازل في عِلِّيّين، في الرفيق الأعلى، فقد سمعت سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم حين كان في لحظة الاحتضار، يقول:-
(اللهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ وجلّ.
وهم متفاوتون، أي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه المنزلة أيضاً، أي أنّهم ليسوا جميعاً في المرتبة نفسها، كما رآهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم في ليلة الإسراء والمعراج.
2- أرواح الشهداء: تكون في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، أحياء عند ربهم يُرزَقون، قال تعالى:-
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [سورة آل عمران: 169].
وقوله سبحانه:-
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة:154].
3- الله تبارك وتعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله سبحانه عنه وعنكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ ” فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الْآيَاتِ عَلَى رَسُولِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}[سورة آل عمران: 169]) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد.
ولكن ليس كلهم، بل مِن الشهداء مَن تُحْبس روحه عن دخول الجنة لوجود دَّيْن عليه.
فقد جاء عَنْ الصحابي الجليل أَبِي قَتَادَةَ رضي الله تبارك وتعالى عنه وعنكم، أنّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي ذَلِكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
4-أرواح المؤمنين: تكون طيوراً تَعلق شجر الجنة، وتبقى كذلك إلى حين يبعث الله أجسادهم.
فَعَن الصحابي كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وعنكم أنّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ قَالَ:-
(إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) الإمام مالك رحمه الله سبحانه.
5-أرواح العصاة: حيث جاءت النصوص تبيّن مصير كل معصية على حِدة، فالذي نام عَن الصلاة المكتوبة يُشدَخ رأسه بصخرة، والزُّناة يُعذَّبون في ثقب يشبه التَّنور، ضَيّق من الأعلى واسع مِن الأسفل، فيه نار مِن تحته، إلى غير ذلك مِن صنوف العذاب، نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية.
قال الإمام شمس الدين الحنبلي رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية: (2/53).
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1832) في هذا الموقع المبارك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.