4/11/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسعد الله تعالى أوقاتكم بكل خير شيخنا الكريم وأمدكم بوافر الصحة والعافية.
إنني مقدم على سفر أقصد فيه أن أقضي عددا من الأيام بمفردي (أروم الاختلاء)، واخترت منطقة نائية جبلية في إحدى الدول الأوروبية، ورتبت فيها سكنا بالنظام الفندقي (وهو كوخ) في غير موسم السياح ليكون أكثر بعدا عن الناس، وخطتي أن أخرج بعد الفجر إلى الجبل الذي يقع الكوخ فيه وأمكث فيه إلى غروب الشمس للذكر والتأمل والتفكّر.
وإنني تراودني الآن خشية بسبب ما مر علي من سير عدد من الذين قاموا بهذه التجربة وأدت بهم إلى انحرافات فكرية وعقدية (ابتداع في الدين أو الخروج منه والعياذ بالله)، فأود من جنابكم الكريم الإرشاد والتوجيه لي في هذا الشأن من أجل تحقيق أقصى استفادة معنوية من هذه التجربة، خصوصا أني أجد حاجة ماسة لها بسبب شعور داخلي وشوق إليها، وقد صليت صلاة الاستخارة وأجد اطمئنانا بل حماسا إلى هذه التجربة.
كما أود أن أعرف ما هي شروط الخلوة وواجباتها ومحظوراتها وعلامات صحتها وفسادها، ومتى يجب الانسحاب منها؟
جزاكم الله تعالى خيرا وأجزل لكم المثوبة.
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
وسائل وأحكام التربية الروحية تختلف باختلاف العصور، ولكن الخلوة بالصفة التي ذكرتها لا تجوز – قولًا واحدًا – إلا تحت إشراف مرشد روحي موصول السند بالنبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فهو الذي يُقدر حاجة السالك إليها من عدمه، وفي الزمان والمكان والمدة التي يراها مناسبًة.
الاستخارة إنّما تكون للبركة بعد الاستشارة؛ فالأخيرة هي الأصل إذا كانت من ذوي الاختصاص.
ولا ينبغي الاعتماد على الاستخارة فقط فقد تميل النفس لفعل شيء أو بالعكس تحجمُ عنه لسببٍ ما فيعتقد المرء أنها مِن آثار صلاة الاستخارة فيتبع هواه وهو لا يدري؛ وهذا مما يخفى على كثيرٍ من الناس.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1449) في هذا الموقع المبارك.
أمّا الخلوة فلها أصل في كل الشرائع، فلقد وصف القرآن الكريم خلوة سيدنا موسى عليه السلام استعدادًا لملاقاة الله جل جلاله:-
{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً –} [سُورَةُ الأعراف: 142].
وهكذا الحال مع خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فلقد وصفت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم حال حضرته في بدء الوحي فقالت:-
(ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ – قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ – اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ المَلَكُ…) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
ولأهمية الخلوة قال تبارك وتعالى:-
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا} [سورة المزمل:8].
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله سبحانه:-
(….وَانْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا لِحَوَائِجِكَ وَعِبَادَتِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ؛ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَبَتَّلْتُ هَذَا الْأَمْرَ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِأُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْبَتُولُ، لِانْقِطَاعِهَا إِلَى اللَّهِ؛ وَيُقَالُ لِلْعَابِدِ الْمُنْقَطِعِ عَنِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ: قَدْ تَبَتَّلَ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (23/377).
وعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعنكم قالت:-
(أَنَّ سيدنا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ولقد مضت سُنة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في استحباب الخلوة ففيها منافع روحية عظيمة إذا استثمرها المسلم في التفكر والذكر لأنّها ستكون سببًا للنوال والعطاء بإذن الله تعالى الكريم الوهاب.
قال الله عزّ وجلّ:-
{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [سورة سيدتنا مريم عليها السلام: 49].
فالعزلةُ صورةٌ من صورِها.
ثُمَّ إنّ الخلوة إحدى وسائل التربية التي يوجه بها السادة المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم السالكين في العصور السالفة؛ إلا أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال واختلاف طرق التربية عند السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
إنّ خادمكم – بصفتي مُرشدًا والحمد لله تعالى – أرى أنّ السياحة بما فيها من التفكر في جمال وعظمة خلق الله جلّ وعلا أمر مندوب؛ ففيها ترويحٌ للنفس واشراقة لطيفة للقلب، وقد ذكر الله سبحانه ذلك بقوله:-
{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سُورَةُ العَنكَبُوتِ: 20].
قال تعالى:-
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [سورة الفرقان: 63].
وقال جلّ جلاله :-
{عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [سُورَةُ التحريم: 5].
إلا أني أوصي بعدم الذهاب إلى أماكن بعيدة ينعدم فيها التواصل احتياطًا ومنعًا من الوقوع في المخاطر.
أمّا الخلوة بمعناها المعروف عند أهل التربية والسلوك فلا أوجه بها جنابك حاليًا، فتكفيك السياحة والتجوال للتفكر والذكر، وأدعو جنابك للإفادة مِن وقتك في الاطلاع على الموقع الكريم خصوصًا فيما يتعلق بضرورة اتخاذ المرشد، فأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2132).
كذا ما يتعلق بالسلوك والتزكية ففي الموقع الشريف باب خاص تحت عنوان الذكر والتزكية والسلوك فأرجو قراءة ما فيه مِن معلومات قيمة تجعلك على عتبة السير إلى الله جلّ جلاله وعمَّ نواله.
فإذا ما وفقك الله تعالى للسلوك وصحبة المرشد الرباني استطعت بإذنه سبحانه أنْ تدخل الخلوة وأنت في الجلوة أي بأن يكون قلبك ذاكرًا لله تعالى مع استمرار قيامك بأعمالك المعتادة بين الناس.
أما شروط وآداب الخلوة فهذه بعضها:-
1- أن تكون بتوجيه مرشدٍ روحي صحيح السند وتحت إشرافه من حيث الزمان والمكان والمدة دخولًا وخروجًا.
2- التحلل من حقوق الناس.
3- أن يدخلها السالك بصدق التوجه والإخلاص طلبًا لمرضاة الله تعالى لا لمرتبة روحية أو ما شابه.
4- ألا يتخلف عن الجمعة والجماعات في المسجد الجامع.
5- أن ينشغل في خلوته بالعبادات والأذكار المأثورة وتلك التي يوجه بها مرشده رضي الله تعالى عنه وعنكم.
ثمّ إنّ الإلتزام بهذه الآداب تجعل من الخلوة عبادة روحية نافعة بإذنه تعالى، أما مخالفة هذه الشروط والآداب – خصوصًا فيما يتعلق بالفقرة الأولى وهي الدخول للخلوة بأمر المرشد وتحت إشرافه – تجعل الخلوة قليلة النفع، وقد ينتج عنها بعض ما تفضلتم به مِن الآثار الروحية والنفسية السلبية نعوذ بالله تبارك اسمه مِن ذلك.
وفقكم الله جلّ ذكره ونفع بكم.
والله عزّ وجلّ أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.