13/11/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
شيخنا الحبيب اتمنى أن تكونوا بصحة جيدة وجزاكم الله تعالى خيرا على هذا الموقع المبارك.
سؤالي هو:-
كيف نشأت الطرق الصوفية ولماذا الطرق تَصِلُ الى سيّدنا علي وسيّدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنهم ولا توجد طرق متصلة الى سيدنا عمر وعثمان أو غيرهم
الاسم: سائل
عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
قيل إنّ ألفاظ التصوف والصوفي والمتصوف مُشتقة مِن الوصف أو الصّفْو أو الصّفاء أو أنّها مُستعارة مِن لفظة “سوفي” الأوربية، ولكن قواعد الاشتقاق اللغوي تأباها كلها ولا تساعد عليها، والصحيح أنّ اشتقاق كلمة التصوف جاءت مِن الصوف، وهذا المعنى اللغوي لا يُعبّر عَن المعاني الروحية المُرادة في هذا المجال، كما أنّ مصطلح التصوف قد تعلّق به شبهات الغلو والانحراف مِن قِبل بعض الجهلة والمُغرضين هداهم الله تعالى؛ ولهذا أدعو لاعتماد مصطلح: العمل الروحي الإسلامي أو التزكية النبوية الشريفة، وهذا ما أصلَّه شيخي واستاذي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيب الله جلّ وعلا روحه وذكره وثراه في كتابه المنهجي المبارك “معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي” فَعَلَيكَ بِهِ.
والتزكية علم تطبيقي وَرِثَهُ العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم – مثل بقية العلوم الشرعية – مِن خاتم النبيين صلى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلم بالسند الصحيح الموصول، ولقد مرّ هذا العلم بالمراحل التي مرّت بها العلوم الأخرى مِن حيث التدوين والتأليف واعتماد المصطلحات الخاصة وغير ذلك.
أمّا ارتباط الطرق بسيّدنا أبي بكرٍ وسيدنا علي رضي الله جلّ ثناؤه عنهما وعنكم دون غيرهما مِن الصحابة فراجعٌ لشدة قربهما مِن سيّدنا النّبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وتلقيهما عنه مباشرة مع كمال الحبِّ واليقين وفضْلِّ اللهِ تبارك اسمه عليهما.
قال الله تعالى:-
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 162].
هذه الآية المباركة أصل في إخلاص الحياة لله عزّ وجل، وهو جوهر التزكية النبوية الشريفة، أي بمعنى تطبيق الإسلام بمفهوم السادة العلماء الربانيين في حياتنا بكل تفاصيلها، وأنْ نموت على ذلك.
قال جلّ وعلا:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: 102].
أصل كلمة التصوف:-
قال العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم في أصل كلمة التصوف:-
(فيكفينا هنا فِي شَأنِ” التصوف” و” الصوفي” العلم بأنّ الكلمتين (اشتقاق فعل للأولى ونسبة للثانية) هما مِن الصوف الذي يغزل وينسج منه الملابس؛ وأنّ الزهاد مِن سلف المسلمين فضلوا ألبسة الصوف على ألبسة الحرير والكتان والقطن لِمَا كان مِن غلاء أثمان الأخيرين ولكون الحرير محرماً على الرجال لباسه؛ وأن لقب” صوفي” و “متصوف” و من ثم ” التصوف” إنما ابتدعهما أعداء الزهاد وخصومهم من المبتدعة قدحاً فيهم لا مدحاً، واستصغاراً لشأنهم لا تكريماً، فذهبت هذه الكلمات على الألسن في القرن الهجري الثاني فاستعملها الزهاد أنفسهم مترفعين غير عابئين بما عيب عليهم مِن لبس الصوف) العمل الروحي الإسلامي لحضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيب الله تعالى روحه وذكره وثراه، ص 12.
وعليه فلم يكن التصوف معروفًا بهذا الاسم في عهد النّبيّ صلى الله جلّ جلاله عليه وآله وصحبه وسلم، بل كان أصحابه يُعرفون بالزهاد والعبّاد، ثم ظهر مصطلح “الصوفية” في أواخر القرن الثاني الهجري، واشتُق مِن لبس الصوف تزهداً. يُنظر كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى، ص 25.
قال الإمام القشيري رحمه الله جلّ جلاله:-
(ثُمَّ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ، وَحَصَلَ التَّدَاعِي بَيْنَ الْفِرَقِ، فَكُلُّ فَرِيقٍ ادَّعَوْا أَنَّ فِيهِمْ زُهْدًا، فَانْفَرَدَ خَوَاصُّ أَهْلِ السُّنَّةِ بِاسْمِ التَّصَوُّفِ، وَاشْتُهِرَ هَذَا الِاسْمُ لِهَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ) الرسالة القشيرية (1/34).
وهؤلاء الأكابر إنّما كانوا يُترجمون هدايات القرآن الكريم وهدي خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في مخالفة النفس والهوى، وتفعيل قوة القلب بالذكر والحضور بين يدي الله سبحانه في الخلوة والجلوة.
قال الإمام النصر آباذي رحمه الله عزّ اسمه:-
(أَصْلُ التَّصَوُّفِ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ…) الرسالة القشيرية للشيخ عبد الكريم القشيري (1/145).
التصوف ومقام الإحسان:
التصوف هو السعي لتحقيق مقام الإحسان، قال الله تعالى:-
{-إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَبۡلَ ذَ ٰلِكَ مُحۡسِنِینَ} [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: من الآية 16].
وقال إمام المُحسنين سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في حديث سيّدنا جبريل عليه السلام:-
(الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ فِي علاه.
إنّ مقام الإحسان يُعدُّ ثلث الدين، بل إنّ تفعيل القلب بالحضور والصدق والإخلاص هو الدين كله فلا ثمرة لعمل دون نية صالحة. قال الحق جل جلاله:-
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سُورَةُ البَيِّنَةِ: 5].
وقال تبارك اسمه:-
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ-} [سُورَةُ الزُّمَرِ: من الآية 3].
وقال سيدنا حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم :-
(إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الله تبارك اسمه.
وما النية إلا عملٌ مِن أعمال القلوب التي ينبغي أنْ تحيا بالذكر والحضور بين يدي الله جلّ جلاله في ظلال طريق التزكية النبوية الشريفة تحت إشراف مرشد كامل صحيح السند بالنبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام ابن عجيبة رحمه الله جلّ ثناؤه:-
(مَقَامُ الإِسْلَامِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّرِيعَةِ، وَمَقَامُ الإِيمَانِ بِالطَّرِيقَةِ، وَمَقَامُ الإِحْسَانِ بِالْحَقِيقَةِ… فَالشَّرِيعَةُ أَنْ تَعْبُدَهُ، وَالطَّرِيقَةُ أَنْ تَقْصِدَهُ، وَالْحَقِيقَةُ أَنْ تَشْهَدَهُ) رسائل النور الهادي ص61.
أما كلمة طرق وطريقة وسلوك وسالك فقد جاءت مِن هدايات الشرع الشريف كما في قوله جل في علاه :-
{إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا} [سُورَةُ المُزَّمِّلِ: 19].
والسبيل هو الطريق كما في قوله تعالى:-
{وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} [سُورَةُ الجِنِّ: 16].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام:-
(مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ اسمه.
وإنّ مِن أعظم العلوم التي يطلبها الموفقون هو علم التزكية التي بها تتحصل السكينة فهي جنّة الأرواح في الدنيا، وبها يتحصل القرب والمعرفة بالله جلّ وعلا ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وهذه المعاني تؤهل صاحبها لفراديس الجنان في الآخرة؛ والموفق لذلك يجتهد ليسلكَ طريقاً يلتمس فيه ذلك العلم والعمل الروحي العزيز.
إنّ مِن موجبات كسب العلوم أنْ يكون لطالب العلم أستاذ مرشد، وفي طريق التزكية وصريح الإيمان تتابع العلم والإرشاد والمرشدون، يُجيز السلف منهم الخلف في سلاسل متصلة مِن لدن خاتم النبيين – صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين – إلى يومنا هذا،
ومِن هنا كانت الطرق؛ فسمها إن شئت بطريق “الحضور والإحسان” أو بطريق “صريح الإيمان” أنظر: معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي، ص ٣٠٣.
لماذا الطّرق تتصل بسيدنا أبي بكرٍ وسيدنا علي رضي الله جلّ شأنه عنهما؟
لقد كان سيّدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه أقرب الصحابة صُحْبَةً وحُبًا ومعرفة وخدمة لسيّدنا النّبي صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم، حتى وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله:-
(إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبا بَكْرٍ، ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِن أُمَّتي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ، إلَّا خُلَّةَ الإسْلامِ، لا يَبْقَيَنَّ في المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إلَّا خَوْخَةُ أبِي بَكْرٍ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
ومعنى (أمنّ الناس) أي أكثر الناس إحسانًا وفضلًا عليَّ أو أكثر الناس منفعة لي، ولم يرد به الامتنان؛ لأن المِنة تُفسد الصنيعة، ولا مِنة لأحد على رسول الله صلى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلم، بل هو تعبير عن الامتنان العميق لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وعنكم لما قدّم من المساعدة والدعم الكبير لحضرة الرسول صلى الله تبارك اسمه عليه وآله وصحبه وسلم.
أما الخوّخة فهو بابٌ صغير كان يصل بين دار سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والمسجد النبوي الشريف، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بسد جميع الأبواب التي تفتح على المسجد إلا هذا الباب، تكريمًا للصديق وبياناً لفَضْلِهَ وعلو مرتبته.
أما الخُلة فمعناها الافتقار والانقطاع، ولا تنبغي في الأصل إلا لله تعالى، فسيدنا إبراهيم عليه السلام خليل الله لأنه منقطعٌ إليه، مُقتصرٌ في حاجته عليه سبحانه.
ومعنى الخليل: الصاحبُ الوادُّ الذي يُفتقر إليه ويُعتمد عليه، والمعنى لو كنتُ متخذًا من الخلق خليلًا أرجع إليه في الحاجات وأعتمد عليه في المهمات لاتخذت أبا بكر، لكن الذي ألجأ إليه وأعتمد عليه في جملة الأمور ومجامع الأحوال هو الله تعالى.
وكذا سيدنا علي رضي الله تبارك اسمه عنه وعنكم فقد كان مِن أهل بيت النبوة، وقد خصه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بالحبِّ والعناية والعلم، وقال في حقه يوم فتح خيبر:-
(لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَه، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ اسمه.
والعطايا هبة مِن الله جلّ ثناؤه المنعم الوهاب، وذلك فضله يهبه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2598) في هذا الموقع الأغرّ.
إنّ الطريق المادي المحسوس يحتاج إلى دليل ومرشد فكيف بهذا الطريق الروحي الموصل إلى الله جلّ في علاه؟
كما أنّ العلوم جميعاً لا تُنال إلا بالتتلمذ على يد استاذ متمرس فكيف بهذا العلم النفيس، علم الإحسان، أو علم صريح الإيمان؟
قال الله تبارك اسمه:-
{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا } [سُورَةُ الكَهۡفِ: 17].
قال الإمام الغزالي رحمه الله جلّت ذاته العلية:-
(مِمَّا يَجِبُ فِي حَقِّ سَالِكِ طَرِيقِ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُرْشِدٌ وَمُرَبٍّ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ….) خلاصة التصانيف في التصوف ص 18.
هل التزكية شيءٌ دخيل على الإسلام؟
الجواب: كلا، بل هو مستمدٌ مِن هدايات الشرع الشريف ونصوصه المباركة من الكتاب الكريم والسُنة المُطهرة، فالتزكية وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال الله جلّ جلاله:-
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ عليهم السلام: 164].
وقال الله تعالى لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام:-
{اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ*فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 17-18].
أمّا صور التزكية في السُنة الشريفة فلا تكاد تُحصى، منها ما رواه سيدنا أُبي بن كعب رضي الله عزّ اسمه عنه وعنكم قال:-
(كُنْتُ جالسًا في المسجدِ فدخَل رجُلٌ فقرَأ قراءةً أنكَرْتُها عليه ثمَّ دخَل آخَرُ فقرَأ قراءةً سوى قراءةِ صاحبِه فلمَّا قضى الصَّلاةَ دخَلا جميعًا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ : يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا قرَأ قراءةً أنكَرْتُها عليه ثمَّ قرَأ الآخَرُ قراءةً سوى قراءةِ صاحبِه فقال لهما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : اقرَأا، فقرَأ فقال: ( أحسَنْتُما أو قال أصَبْتُما ) قال : فلمَّا قال لهما الَّذي قال كبُر علَيَّ فلمَّا رأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما غشِيَني ضرَب في صدري فكأنِّي أنظُرُ إلى ربِّي فَرَقًا…) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم.
فانظر يا رعاك الله تعالى كيف بِلَمْسَةٍ واحدةٍ مِن خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم تحول الشّك الكبير إلى حضور عظيم، وارتقاء إلى الذروة القصوى مِن مقام الإحسان فصار حال سيدنا أُبي رضي الله جلّ وعلا عنه وعنكم في مقام المشاهدة لله جلّ جلاله وعمّ نواله.
والله تقدّست أسماؤه أعلم.
وصلى العظيم الجليل وسلّم على النبي المعظم والرسول المكرم، وعلى آله وصحبه، وشرف وعظّم.