21/11/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيّدي وشيخي ما هي شرعية الاحتفال بمولد الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم؟ بدليل مقنع نسألكم الدعاء.

وجزاكم الله تعالى خيرًا.

 

الاسم: سائل

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيبة، وأسأل الله جلّ وعلا لكم التوفيق والسداد، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

الاحتفالُ بِالمَوْلِدِ النّبَويّ الشّرِيْفِ مِن المُبَاحَاتِ التِي لَا تَحْتَاجُ دَلِيلَ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، وَتَرْقَى إِلى القُرُبَاتِ بِصِحَةِ المَقَاصِدِ وَالنّيَاتِ.

التفصيل:-

أوّل شيءٍ ينبغي أنْ يُعْلَم في هذه المسألة أنّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من المسائل الفقهية التي يسوغ فيها تعدّد الآراء، وبالتالي لا يجوز اتهام بَعضٍ لِبَعضٍ بالتضليل والتبديع، فمَنْ شاء أنْ يحتفل فحيّ هلا، ومَنْ لم يشأ فلا بأس، ولا يجوز لأيّ طرفٍ أنْ ينكر على الآخر، أو يتّهمه بالبدعة والضلالة؛ لأنّ في ذلك مخالفة كبيرة لصاحب الرسالة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.

علماً أنّ الذين يمنعون مِن إقامة هذا الاحتفال هم قلّة قليلة جدًّا مقارنة بالكثرة الكاثرة مِن علماء هذه الأمّة الذين يُجِيْزُونَهُ رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومنهم:-

1- العلامة أبو الخطاب ابن دحية الكلبي السبتي المتوفى سنة 633 هـ، وله (التنوير في مولد البشير النذير) صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.

2- القاضي أبو العباس أحمد اللخمي العزفي السبتي المتوفى سنة 633 هـ، وهو أوّل مَنْ ندب لهذا الاحتفال بالمغرب، وألّف فيه كتابه (الدر المنظم في مولد النبي الأعظم) صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين.

3- الإمام أبو شامة المقدسي، الحافظ شهاب الدين عبد الرحمن الشافعي المتوفى سنة 665 هـ.

4- الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة 806 هـ، له كتاب بعنوان (المورد الهنيّ في المولد السنيّ).

5- الإمام شمس الدين ابن الجزري المتوفى سنة 833 هـ، له كتاب بعنوان (التعريف بالمولد الشريف) صلى

الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.

6- الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر عبد الله القيسي الدمشقي المشهور بابن ناصرالدين الدمشقي المتوفى سنة 842 هـ، حيث ألّف كتبا في المولد الشريف (جامع الآثار في مولد النبي المختار)، و (اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق)، و (مورد الصادي في مولد الهادي) صلى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلّم.

7- الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ.

8- الحافظ شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 876 هـ.

9- الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 هـ، وقد ألّف فيه رسالته الماتعة (حسن المقصد في عمل المولد) صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين.

10- الإمام القسطلاني المتوفى سنة 922 هـ.

11- الحافظ الملا علي القاري الحنفي المتوفى سنة 1014 هـ، ألّف كتابا بعنوان (المولد الروي في المولد النبوي) صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم.

12- الإمام ابن عابدين الحنفي المتوفى سنة 1252 هـ.

وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى وأسكنهم فسيح جنّاته.

وأود أنْ أذكر في هذا المقام ما ورد عن الشيخ ابن تيمية رحمه ربُّ البرية إذ قال:-

(فَتَعْظِيْمُ المَوْلِدِ وَاتِّخَاذُهُ مَوْسِمًا قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَكُوْنُ لَهُ فِيْهِ أَجْرٌ عَظِيْمٌ لِحُسْنِ قَصْدِهِ وَتَعْظِيْمِهِ لِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اقتضاء الصراط المستقيم (2/126).

وأرى من الضرورة بمكان أنْ أبيّن أقوى ما يستدل به المانعون من إقامة هذا الاحتفال إذ يقولون:-

إنّه لم يَرِدْ عن حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، ولا عن الصحابة الكرام ولا عن التابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهم خير القرون، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.

وهذا الذي يقولونه ليس دليلا عند أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لماذا؟ لأنّ ترك الفعل لا يدلّ على تحريمه أو عدم جوازه كما هو مقرّر في علم أصول الفقه.

التَّرْكُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي شَرْعِنَا *** لَا يَقْتَضِي مَنْعًا وَلَا إِيْجَابَا

ينظر: كتاب حسن التفهم والدرك لمسألة الترك للشيخ أبي الفضل عبدالله الصديق الغماري رحمه الباري سبحانه ص3.

وهناك الكثير من الأمور يفعلها المانعون ولم ترد عن حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، ولا عن الصحابة ولا عن التابعين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فلماذا يجيزون فعلها ولا يجيزون الاحتفال؟ ومَنْ أراد معرفتها فليرجع إلى كتاب (تقريب الأنظار في حكم الاحتفال بمولد المختار) صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأبرار لفضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ عثمان محمد غريب حفظه الله تعالى ونفع به.

أمّا قولهم: لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهذا لا يستقيم؛ لأنّه حَصْرٌ لعمل الخير في القرون الثلاثة الأولى دون غيرها، وهذا غير صحيحٍ فالخير في هذه الأمّة باقٍ إلى قيام الساعة، قال الحقّ جلّ جلاله:-

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 110].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(نُكْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً، نَحْنُ آخِرُهَا وَخَيْرُهَا) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال أيضًا:-

(إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.

وقال:-

(مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

فقد تستجد في الأمّة ظروف وأحوال لم تكن موجودة في عهد السلف فتتطلب إحداث أعمالٍ لها، جانب الخير فيها واضح، فعلى سبيل المثال لا الحصر:-

إقامة الدورات لتحفيظ القرآن الكريم في المساجد كلّ عامٍ، وتخريجها بإقامةٍ حفلٍ لها، يحضره ذووا الطلبة المشاركين، وتوزّع الهدايا للمتميزين، هذا كلّه لم يقل أحدٌ بحرمته أو بِدْعِيَّتِه مع أنّ حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين لم يفعله ولا صحابته الكرام ولا التابعون رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وهو من الخير الذي لم يفعلوه؛ لأنّه لم تكن له حاجة في عصرهم بخلاف عصرنا وزماننا.

ومن جملة استدلالاتهم على حرمة الاحتفال أنّهم قالوا:-

إنّ يوم الولادة هو نفسه يوم الوفاة، فالذي يحتفل فكأنّه يحتفل بيوم وفاة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام!

ويُجاب عَن هذا بأنّ العلماء رحمهم الله سبحانه تعدّدت أقوالهم في يوم وفاته صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، والراجح مِنْهَا الثاني مِن شهر ربيعٍ الأول لا فِي الثاني عَشر منه.

ولو سلّمنا جدلا بصحة ما يدعون فإنّ يوم ولادته صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم مِن أعظم النّعم علينا، ويوم وفاته من أعظم المصائب لنا، والشريعة الغرّاء حثّت على إظهار شكر النعم، والصبر والسكون والكتم عند المصائب، لهذا أمر الشرع الشريف بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار الشكر والفرح بالمولود، ولم يأمر بذلك عند الموت، فدلّت هذه القواعد على أنّه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه دون إظهار الحزن فيه بوفاته، قال عزّ من قائل:-

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة سيدنا يونس عليه السلام: 58].

وسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ؟ قَالَ (أَوَّلَ مَا قَالَ، وَعَلَّلَ أَوَّلَ مَا عَلَّلَ): ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُّ فِيْهِ —) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

وفي هذا الحديث الشريف فوائد كثيرة، منها:-

1- أنّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عظم يوم مولده وأحدث له عبادة وهي الصيام شكرا لله تعالى على ما أنعم بحضرته، لهذا يستحب للمسلم الصيام يوم الإثنين شكرا وفرحا بمولده عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.

2- أنّه صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لم يذكر مولده في كلّ عامٍ كما نفعل نحن، بل كان يذكره كل أسبوعٍ.

فالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف تعبير فطري يختلف مِن زمان إلى زمان، ومِن مكان إلى مكان، ومِن قوم إلى قوم، وهو مسموح به في شريعتنا الغرّاء، فعَنْ أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم قالت:-

(جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

يَزْفِنُونَ: يرقصون.

فكيف إذا كان الاحتفال اجتماعا على محبّة مَنْ أمرنا الله تعالى بمحبته صلّى الله تعالى وآله وصحبه وسلّم، وتعريفًا للناس بخصائصه وشمائله ومناقبه، فأراه مِن أوضح المباحات التي تنقلب إلى قربات بنيّة تعظيم شعائر ربّ الأرض والسموات عزّ شأنه، وأسلوبًا من أساليب الدعوة إلى دين الله عزّ وجلّ.

ومع ذلك فإنّي دائمًا ما أوجّه أحبابي وطلابي وتلاميذي وأنأى بهم عَن الخوض في حضيض الاختلاف والجدال.

ولمعرفة باقي الأدلة عن مشروعية هذا الاحتفال أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2013) والمشاركة المرقمة (23) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد الأنبياء، وإمام الأصفياء، نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الأتقياء.