9/12/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي حفظكم الله تعالى ورعاكم أينما ذهبتم، آمين.
سؤالي هو:-
مجموعة مِن الشباب يخرجون لسفرة يوم الجمعة، فهل يجوز لهم أنْ يصلّوا الجمعة جماعة أثناء سفرهم؟ وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الاسم: أبو إبراهيم
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
صلاةُ الجُمُعَةِ لَا تَجِبُ عَلَى المُسَافِرِ، فإِنْ صَلْاهَا فِي المَسْجِدِ صَحّتْ مِنُه، وإنْ لَم يَكنْ هُنَالِكَ مَسْجِد فَقَدْ تَعَدّدَت آرَاءُ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُم اللهُ جلّ وعلا فِي صِحّةِ الصّلَاةِ.
إنَّ صلاة الجمعة شعيرة عظيمة مِن شعائر الإسلام فبفواتها فوات الخير الكثير.
قال جلّ ثناؤه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الجمعة: 9].
وقال النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين:-
(لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.
ومِن المعلوم أنّ مِن شروط وجوب الجمعة الإقامة في المحل الذي تقام فيه، أو في محل متصل به، فلا تجب الجمعة على المسافر، فإنْ حضرها صحّت منه.
قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله جلّ شأنه:-
(وَلَا تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلَا اِمرَأَةٍ، وَلَا مَرِيضٍ، وَلَا عَبدٍ، وَلَا أَعمَى؛ لِأَنَّ المُسَافِرَ يُحرَجُ فِي الحُضُورِ، وَكَذَا المَرِيضُ وَالأَعمَى، وَالعَبدُ مَشغُولٌ بِخِدمَةِ المَولَى، وَالمَرأَةُ بِخِدمَةِ الزَّوجِ، فَعُذِرُوا دَفعًا لِلحَرَجِ وَالضَّرَرِ. فَإِن حَضَرُوا وَصَلَّوا مَعَ النَّاسِ أَجزَأَهُم عَن فَرضِ الوَقتِ) البناية شرح الهداية (3/69-72).
وقال الإمام الدسوقي المالكي رحمه العليّ جلّ في علاه:-
(فَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى مُقِيمٍ وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ زَمَنًا طَوِيلًا إلَّا تَبَعًا، فَإِذَا حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابٌ مِنْ حَيْثُ الْحُضُورُ وَسَقَطَ عَنْهُ الظُّهْرُ بِفِعْلِ الْبَدَلِ فَفِعْلُهُ الْجُمُعَةَ فِيهِ الْوَاجِبُ وَزِيَادَةٌ كَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَيْسَتْ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةً عَلَى التَّخْيِيرِ) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/378-379).
وقال الإمام أبو الحسين الشافعي رحمه الله جلّ ذكره:-
(وَلَا تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى المُسَافِرِ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ، وَيُستَحَبُّ لَهُ إِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ وَقتَ الجُمُعَةِ أَن يَحضُرَهَا) البيان في مذهب الإمام الشافعي (2/543-544).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ جلاله:-
(وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ) المغني (2/251-253).
وَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ السَّفَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ، فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا ثُمَّ يُسَافِرَ؛ وَذَلِكَ لِوُجُوبِ السَّعْيِ إِلَى الجُمُعَةِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا كَمَا أَمَرَ الحَقُّ جَلَّ وَعَلَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي تَصَدَّرَتِ الجَوَابَ.
وبما ورد عن سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه وعنكم أنّه:-
(رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابُ سَفَرٍ بَعْدَمَا قَضَى الْجُمُعَةَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ سَفَرًا فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُصَلِّيَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تْمَنَعُكَ السَّفَرَ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُهَا) الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه.
أمّا بالنسبة إلى سؤال جنابك الكريم فقد اشترط الفقهاء رحمهم الله تعالى شروطا عدّة لصحة صلاة الجمعة، منها:-
1- المصر الجامع، أي البلد الذي اتخذه النّاس وطنا لهم لا يرحلون عنه، وهنا تصحّ صلاة الجمعة بالاتفاق.
أمّا إقامتها في القرى والبوادي فمن الفقهاء مَنْ حكم بعدم صحتها، ومنهم مَنْ حكم بصحتها وهم الجمهور.
2- الجامع: ليس شرطا لوجوب الجمعة ولا لصحتها عند الجمهور.
3- إذن السلطان: لا يشترط الجمهور إذنه.
وهناك شروط أخرى لا داعي لذكرها.
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ إِقَامَةَ هَؤُلَاءِ الشَّبَابِ لِلْجُمُعَةِ لَمْ تَكُنْ لَا فِي مِصْرَ جَامِعٍ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ، وَبِالتَّالِي لَا تَصِحُّ هَذِهِ الصَّلَاةُ.
وَهُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ أَرَاهُ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ، وَهُوَ أَنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ قَدْ يُجَرِّئُ الآخَرِينَ عَلَى تَرْكِ المَسَاجِدِ وَ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِحُجَّةِ صِحَّةِ إِقَامَتِهَا فِي الطَّرِيقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، لِذَا فَالَّذِي أُرَجِّحُهُ هُوَ عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ.
ولمزيد فائدةٍ أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1941) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّدٍ وآله الطاهرين وصحابته الغُرّ الميامِين.