26/1/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي ومرشدي وقرة عيني رضي الله تعالى عنكم ونفعنا بأنواركم وتوجهاتكم المباركة، حفظكم الله تعالى سيّدي ما حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية؟
وما حكمه إنْ تجرّد من الشجرة أو التشبّه بأهل الكتاب؟
وجزاكم الله سبحانه عنّا وعن المسلمين كلّ خير.
الاسم: محمد محمود شوكت
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
حَفِظَكُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَضَاعَفَ لَكُمُ الْحَسَنَاتِ، وَرَفَعَ لَكُمُ الدَّرَجَاتِ، وَأَجَابَ لَكُمُ الدَّعَوَاتِ، وَأَشْكُرُكُمْ عَلَى زِيَارَتِكُمْ لِهَذَا الْمَوْقِعِ الْكَرِيمِ.
يُبَاحُ الِاحْتِفَالُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ إِنْ خَلَا مِنَ الْمَظَاهِرِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ.
إِنَّ اعْتِبَارَ السَّنَةِ الْمِيلَادِيَّةِ أَصْبَحَ وَاقِعَ حَالٍ، تَتَعَامَلُ بِتَقْوِيمِهَا أَغْلَبُ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَمَّا السَّنَةُ الْهِجْرِيَّةُ فَلَا يَتَعَامَلُونَ بِتَقْوِيمِهَا إِلَّا نَادِرًا مَعَ الْأَسَفِ الشَّدِيدِ، وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا حَضْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي اتِّبَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ:-
(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ؟) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا.
وَمَا هَذِهِ الِاحْتِفَالَاتُ الَّتِي نَرَاهَا الْيَوْمَ فِي الْبُلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَا يُنْفَقُ فِيهَا مِنْ أَمْوَالٍ طَائِلَةٍ إِلَّا تَجْسِيدٌ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْمُؤْلِمَةِ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ فِي الْمَصَائِبِ: إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَحُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِالسَّنَةِ الْمِيلَادِيَّةِ تَعَدَّدَتْ فِيهِ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهَا مُسْتَنِدِينَ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ النُّصُوصِ، مِنْهَا:-
1- عُمُومُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:-
{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 72].
(أَيْ لَا يَحْضُرُونَ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ وَلَا يُشَاهِدُونَهُ. وَالزُّورُ كُلُّ بَاطِلٍ زُوِّرَ وَزُخْرِفَ، وَأَعْظَمُهُ الشِّرْكُ وَتَعْظِيمُ الْأَنْدَادِ. وَبِهِ فَسَّرَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ) تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ (13/79).
2- عَنْ سَيِّدِنَا ثَابِتٍ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ، قَالَ:-
(نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ) الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ الْوَدُودُ جَلَّتْ صِفَاتُهُ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ:-
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ (هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟) فَلَوْ أَجَابَ بِـ (نَعَمْ) لَمَنَعَهُ مِنْ نَحْرِ إِبِلِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُضُورِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا أَعْيَادُهُمْ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ اسمُهُ:-
(وَلِأَنَّهُ ضَمَّنَ نَذْرَهُ نَفْعَ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، بِإِيصَالِ اللَّحْمِ إلَيْهِمْ، وَهَذِهِ قُرْبَةٌ. فَتَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ بِهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، لَمْ يَجُزْ النَّذْرُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ؟.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهَا ذَلِكَ، لَمَنَعَهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعْظِيمًا لِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ، فَحَرُمَ، كَتَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ) الْمُغْنِي (10/19).
3- عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ:-
(اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي عِيدِهِمْ يَوْمَ جَمْعِهِمْ، فَإِنَّ السَّخَطَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، فَأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ، وَلَا تَعْلَمُوا بِطَانَتَهُمْ فَتَخَلَّقُوا بِخُلُقِهِمْ) الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ.
4- عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-
(مَنْ بَنَى بِبِلَادِ الْأَعَاجِمِ وَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمِهْرَجَانَهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ كَذَلِكَ حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ الِاحْتِفَالَ بِهَا إِذَا خَلَتْ مِنْ طُقُوسٍ تُخَالِفُ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتِكَابِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا إِلَى أَنَّهَا تُحَقِّقُ مَقَاصِدَ اجْتِمَاعِيَّةً وَوَطَنِيَّةً تُعَزِّزُ قِيَمَ التَّعَايُشِ وَالْمُوَاطَنَةِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَأَنَّهَا تَحْمِلُ بُعْدًا دِينِيًّا يَتَمَثَّلُ فِي تَقْدِيرِ ذِكْرَى مِيلَادِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ تَعَدُّدَ وِجْهَاتِ النَّظَرِ فِي تَحْدِيدِ يَوْمِ الْمَوْلِدِ لَا يَمْنَعُ الْفَرَحَ بِالذِّكْرَى.
وَالَّذِي أَرَاهُ:-
أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْفِقْهِيَّةَ الْكُبْرَى تَقُولُ:-
(“الأُمُوْرُ بِمَقَاصِدِهَا” يعني أَن الحكم الَّذِي يَتَرَتَّب على أَمر يكون على مُقْتَضى مَا هُوَ الْمَقْصُود من ذَلِك الْأَمر) شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (ص: 47).
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ قَوْلِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:-
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا.
وَبِالتَّالِي فَإِنَّ حُكْمَ الِاحْتِفَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَصْدِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ اعْتِقَادًا بِمَا يَقُولُونَ، أَوْ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِهِمْ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ تَعْبِيرٍ عَنْ بِدَايَةِ سَنَةٍ جَدِيدَةٍ لَيْسَ فِيهِ أَيُّ مَظْهَرٍ يُخَالِفُ شِرْعَةَ الْإِسْلَامِ كَشَجَرَةِ الْمِيلَادِ وَغَيْرِهَا، فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطَ عَدَمُ الِاحْتِفَالِ.
وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ السَّنَوَاتِ ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ:-
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [سُورَةُ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: 5].
فَعِلْمُ السِّنِينَ وَحِسَابُهَا مِمَّا أَقَرَّهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَهَذِهِ السَّنَوَاتُ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ السَّنَةِ الْهِجْرِيَّةِ، أَيْ قَبْلَ بَعْثَةِ وَرِسَالَةِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ، إِذْ كَانَ النَّاسُ يَتَعَامَلُونَ مَعَ هَذِهِ السِّنِينَ الَّتِي تَعَارَفُوا عَلَيْهَا، وَلَوْ أَحْصَيْنَاهَا لَوَجَدْنَاهَا مُتَعَدِّدَةً بِتَعَدُّدِ الْبُلْدَانِ وَالْقَوْمِيَّاتِ وَاللَّهَجَاتِ، فَلِلْفُرْسِ سَنَوَاتُهُمْ، وَلِلرُّومِ، حَتَّى لِلْأَكْرَادِ، قَالَ سَيِّدِي وَسَنَدِي حَضْرَةُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللهِ الْهَرْشَمِيِّ طَيَّبَ اللهُ تَعَالَى رُوحَهُ وَذِكْرَهُ وَثَرَاهُ فِي كِتَابِهِ أَمْجَادُ الْأَكْرَادِ:-
(وَالْأَكْرَادُ هُمْ بَنُو شَعْبٍ حَيٍّ أَصِيلٍ لَهُ شَمَائِلُهُ وَمَحَامِدُهُ وَعَظِيمُ خَصَائِصِهِ. فَهُمْ حَرِيُّونَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِيدُهُمُ الْقَوْمِيُّ وَنَشِيدُهُمُ الْقَوْمِيُّ وَتَقْوِيمُهُمُ الْقَوْمِيُّ – مَبْنِيًّا كُلُّهُ عَلَى حَقَائِقِ مَاضِيهِمْ وَحَاضِرِهِمْ، لَا عَلَى الْأَكَاذِيبِ وَالْخُرَافَاتِ) أَمْجَادُ الْأَكْرَادِ (ص:27).
وَلِمَزِيدٍ مِنَ الْفَائِدَةِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (381) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْأَغَرِّ.
وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْمَيَامِينِ.