30/5/2026

نص السؤال:

السلام عليكم سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.

 أدعو الله تعالى أن يرفع مقامكم في أعلى عليين، وينفع بكم الإسلام والمسلمين أين ما حللتم ورحلتم، ويجعلكم ذخرا لنا في الدنيا ويوم الدين، ويجزيكم عنا وعن المسلمين خير ما يجزي به عالما عن أمة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والتسليم آمین.

 سيدي سؤالي هو:-

 ما مقدار الحركة المسموح بها للمُصَلِّي في الصلاة؟ وكم حركة إذا زادت تُبطل الصلاة؟ وما الأمور التي تُبطل الصلاة شرعًا؟

وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.

 

الاسم: طاهر عمر عبد الرحمن

 

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

أَشْكُرُكَ لِتَوَاصُلِكَ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ، وَدَعَوَاتِكَ الطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ لَكَ بِمِثْلِهَا وَزِيَادَةً.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

تُبَاحُ الْحَرَكَةُ الْيَسِيرَةُ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا الْكَثِيرَةُ فَتُبْطِلُهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ.

وَتَعَدَّدَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ- فِي ضَبْطِ الْكَثْرَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا لِلْعُرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّدَهَا بِثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا بِاسْتِدَارَةِ جَمِيعِ الْجَسَدِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

قَالَ تَعَالَى:-

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 238-239].

 

وَعَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ سَيِّدِنَا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ: قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ جَلَّ وَعَلَا.

قَالَ الْإِمَامُ زَيْنُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا:-

((جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ كَانَ حَالَةَ كَوْنِهِ فِيهَا مَجْمُوعَ الْهَمِّ عَلَى مُطَالَعَةِ جَلَالِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ) فَيْضُ الْقَدِيرِ (3/348).

 

فَعَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُحَاوِلَ الخُشُوعَ  فِي صَلَاتِهِ حَاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَ يَحْذَرَ مِمَّا يُذْهِبُ عَنْهُ الْخُشُوعَ وَالْحُضُورَ، وَمِنْهَا الْحَرَكَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَالِالْتِفَاتِ وَالْعَبَثِ بِالثَّوْبِ وَاللِّحْيَةِ وَسَائِرِ حَرَكَاتِ الْجَسَدِ.

قَالَ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ:-

(لَا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرْفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ) الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.

 

وَاتَّفَقَ سَادَاتُنَا الْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ الْكَثِيرَةَ الْمُتَوَالِيَةَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِلَّا فَلَا.

 

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ الْحَنَفِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-

(وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ) فَتْحُ الْقَدِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ (1/404).

 

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَابِدِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:-

((وَ) يُفْسِدُهَا (كُلُّ عَمَلٍ كَثِيرٍ) لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِهَا وَلَا لِإِصْلَاحِهَا، وَفِيهِ أَقْوَالٌ خَمْسَةٌ أَصَحُّهَا (مَا لَا يَشُكُّ) بِسَبَبِهِ (النَّاظِرُ) مِنْ بَعِيدٍ (فِي فَاعِلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا)) رَدُّ الْمُحْتَارِ (1/265).

 

قَالَ الْإِمَامُ الرُّعَيْنِيُّ الْمَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:-

(وَأَمَّا مَا سِوَى الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مِنْ طَيْرٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ ذَرَّةٍ أَوْ حِدَأَةٍ أَوْ نَحْلَةٍ أَوْ بَعُوضَةٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ قَتْلَ شَيْءٍ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ وَلَا يَنْبَغِي، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ إِلَّا بِمَا فِيهِ شُغْلٌ كَثِيرٌ) مَوَاهِبُ الْجَلِيلِ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ (2/32).

 

قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا:-

(وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عِشْرُونَ شَيْئًا….. وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ عَمْدًا) اللُّبَابُ فِي الْفِقْهِ الشَّافِعِيِّ ص 107.

 

قَالَ الْإِمَامُ الْبَهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ:-

((وَلَهُ) أَيِ الْمُصَلِّي (قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) (وَ) لَهُ قَتْلُ (قَمْلَةٍ) لِأَنَّ عُمَرَ وَأَنَسًا وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَذًى لَهُ إِنْ تَرَكَهَا عَلَى جَسَدِهِ، وَلِغَيْرِهِ إِنْ أَلْقَاهَا، وَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يُكْرَهْ (وَإِلَّا) يَكُنْ لِحَاجَةٍ (كُرِهَ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (مَا لَمْ يَطُلْ)) كَشَّافُ الْقِنَاعِ (1/377).

 

أَمَّا الضَّابِطُ فِي مَعْرِفَةِ الْكَثِيرِ مِنَ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ فَهَذَا مِمَّا تَعَدَّدَتْ فِيهِ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَا اسْتَدْعَى اسْتِعْمَالَ كِلْتَا الْيَدَيْنِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الضَّابِطَ هُوَ مَا أَدَّى إِلَى حَرَكَةِ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:

 

قَالَ الْإِمَامُ شَيْخِي زَادَه الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:-

 ((وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ) وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ قِيلَ: هُوَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: مَا يَشُكُّ النَّاظِرُ أَنَّ عَامِلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعَامَّةِ، وَقِيلَ مَا يَكُونُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا حَتَّى لَوْ رَوَّحَ عَلَى نَفْسِهِ بِمِرْوَحَةٍ ثَلَاثًا أَوْ حَكَّ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ ثَلَاثًا تُفْسِدَانِ عَلَى الْوَلَاءِ، وَقِيلَ: مَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْفَاعِلِ بِأَنْ يُفْرَدَ لَهُ مَجْلِسٌ عَلَى حِدَةٍ كَمَا إِذَا مَسَّ زَوْجَتَهُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ، وَقِيلَ: مَا يَسْتَكْثِرُهُ الْمُصَلِّي) مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ فِي شَرْحِ مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ (1/120).

 

قَالَ الْإِمَامُ الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ:-

((قَوْلُهُ فَإِنْ كَثُرَ) أَيِ الْحَكُّ مُطْلَقًا كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا وَقَوْلُهُ وَلَوْ سَهْوًا أَيْ هَذَا إِذَا كَانَ عَمْدًا بَلْ وَلَوْ كَانَ سَهْوًا أَبْطَلَ، فَإِنْ تَوَسَّطَ أَبْطَلَ عَمْدُهُ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَكِّ الْيَسِيرِ وَهُوَ بِالْعُرْفِ) حَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: (1/285).

 

وَقَالَ الْإِمَامُ الْبَكْرِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:-

(أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ثَلَاثَ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَأَكْثَرَ) إِعَانَةُ الطَّالِبِينَ (1/147).

 

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ:-

(وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، مَا لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ، أَوْ يَسْتَدْبِرِ الْقِبْلَةَ) الْكَافِي فِي فِقْهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ (1/286).

 

وَأَمَّا مُبْطِلَاتُ الصَّلَاةِ فَكَثِيرَةٌ وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ كَالْآتِي:-

 

1- الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ.

2- الْكَلَامُ الْعَمْدُ فِي الصَّلَاةِ.

3- الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ.

4- الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ.

5- انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ (مَعَ تَعَدُّدِ الْآرَاءِ فِي حَدِّ الْمُبْطِلِ مِنْهَا).

6- اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ.

7- الرِّدَّةُ.

8- الْعَمَلُ الْكَثِيرُ بِدُونِ ضَرُورَةٍ.

9- حُدُوثُ النَّجَاسَةِ.

10- الزِّيَادَةُ أَوِ النُّقْصَانُ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3251، 415) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْأَغَرِّ.

وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَمُ.

 

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.