13/8/2026
نص السؤال:-
شَّيْخِي العَزِيزَ، أَنَا رَجُلٌ لِي وَالِدَانِ كَبِيرَانِ فِي السِّنِّ وَمَرِيضَانِ أَقُومُ عَلَى خِدْمَتِهِمَا وَرِعَايَتِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ رَاتِبِي ضَئِيلٌ جِدًّا وَلَا يَكْفِي لِتَوْفِيرِ مُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ الأَسَاسِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ الَّتِي لَا أَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا، لَا سِيَّمَا وَأَنَا مُلْتَزِمٌ بِدَفْعِ نَفَقَةِ طَلِيقَتِي البَالِغَةِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. كَمَا أَنَّنِي بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِعِلَاجِ نَفْسِي وَزِرَاعَةِ أَسْنَانٍ وَلَا أَجِدُ لِذَلِكَ سَبِيلًا.
لَقَدْ ضَاقَتْ بِيَ السُّبُلُ، وَأُرِيدُ الحُصُولَ عَلَى سُلْفَةٍ مَالِيَّةٍ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ مَلَايِينَ دِينَارٍ مِنْ مَصْرِفِ الرَّشِيدِ؛ لِأَعِفَّ بِهَا نَفْسِي عَنِ الحَرَامِ، وَأَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ صَالِحَةٍ تُعِينُنِي عَلَى رِعَايَةِ وَالِدَيَّ المَرِيضَيْنِ، وَأَتَدَاوَى بِهَا. غَيْرَ أَنَّ شُرُوطَ هَذِهِ السُّلْفَةِ تَقْضِي بِأَنْ تُرَدَّ لِلْمَصْرِفِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِلْيُونًا، بِآلِيَّةِ اسْتِقْطَاعٍ شَهْرِيٍّ تَبْلُغُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، عِلْمًا أَنَّ المَبْلَغَ الصَّافِيَ الَّذِي سَأَسْتَلِمُهُ هُوَ تِسْعَةُ مَلَايِينَ وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ فَقَطْ. وَأَنَا فِي حَيْرَةٍ وَخَوْفٍ شَدِيدَيْنِ؛ لِأَنَّ القَرْضَ رِبَوِيٌّ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَقَدْ تَقَدَّمَ بِيَ العُمْرُ وَكَثُرَتْ عَلَيَّ الِابْتِلَاءَاتُ وَالمِحَنُ، وَرِزْقِي مُعَطَّلٌ لَا يَكَادُ يَسُدُّ الفَاقَةَ.
يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ مَدَّ يَدِي إِلَى الحَرَامِ أَوِ السَّرِقَةِ؛ فَدِينِي وَأَخْلَاقِي يَمْنَعَانِنِي مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَا كَارِهٌ لِلْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ. وَقَدْ بَلَغَتْ بِيَ الحَاجَةُ إِلَى الزَّوَاجِ مَبْلَغًا عَظِيمًا لِإِعْفَافِ نَفْسِي وَلَوْ بِالحَدِّ الأَدْنَى، إِلَى جَانِبِ الحَاجَةِ المُلِحَّةِ لِوُجُودِ امْرَأَةٍ تَرْعَى وَالِدَيَّ اللَّذَيْنِ أَخْدُمُهُمَا بِنَفْسِي الآنَ.
أَسْتَفْتِيكَ يَا شَيْخِي فِي أَخْذِ هَذِهِ السُّلْفَةِ؛ إِذْ إِنَّنِي أُوَاجِهُ حَرْبًا وَتَضْيِيقًا شَدِيدًا فِي دَائِرَتِي وَمَجَالِ عَمَلِي بِالمَقَايِيسِ الكَهْرُبَائِيَّةِ الصِّنَاعِيَّةِ، وَرَغْمَ أَنَّ طَبِيعَةَ عَمَلِي تَمُرُّ مِنْ خِلَالِهَا أَمْوَالُ جِبَايَةٍ هَائِلَةٌ تُقَدَّرُ بِالمِلْيَارَاتِ، إِلَّا أَنَّنِي مُحَارَبٌ وَمَحْرُومٌ مِنْ حُقُوقِي، فَحَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ!
لَقَدْ أَرَدْتُ بِهَذِهِ السُّلْفَةِ أَنْ أَتَعَالَجَ، وَأَتَزَوَّجَ، وَأَشْتَرِيَ سَيَّارَةً صَغِيرَةً أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى زِيَادَةِ دَخْلِي، وَأُسَدِّدَ قِسْطَهَا البَالِغَ مِائَتَيْ أَلْفٍ شَهْرِيًّا. وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي لَوْ كَانَ لِي مَصْدَرُ رِزْقٍ آخَرُ أَوْ سَعَةٌ مِنَ العَيْشِ لَمَا فَكَّرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ مُطْلَقًا، لَكِنَّنِي أَجِدُ نَفْسِي مَجْبُورًا وَمُضْطَرًّا. فَمَا حُكْمُ الإِقْدَامِ عَلَى هَذَا القَرْضِ فِي حَالَتِي هَذِهِ؟ أَمَدَّ اللَّهُ فِي عُمْرِكُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْكُمْ.”
الاسم: سائل
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ،
أَشْكُرُكَ عَلَى تَوَاصُلِكَ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَرِّجَ هَمَّكَ، وَيَقْضِيَ دَيْنَكَ، وَيَجْعَلَ لَكَ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا.
الأَصْلُ فِي القُرُوضِ مِنَ المَصَارِفِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُعَامَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ بَحْتَةٍ، فَهُوَ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَهِيَ زِيَادَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي العَقْدِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ حَالُكَ كَمَا ذَكَرْتَ، فَيُبَاحُ لَكَ أَخْذُهُ بِقَدْرِ حَاجَتِكَ وَلَا تَزِيدُ عَلَيْهَا.
قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا…} [البقرة: 275].
وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:-
(الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، وَأَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ) ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذَكَرْتَ، وَعَلَى حَسَبِ قَوْلِكَ، فَيُبَاحُ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ قَرْضًا عَلَى قَدْرِ ضَرُورَتِكَ؛ بِنَاءً عَلَى القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: (الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ).
وَأُوصِيكَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَمُلَازَمَةِ الطَّاعَاتِ، وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُنَّ سَبَبٌ فِي جَلْبِ الخَيْرَاتِ وَتَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ، بِإِذْنِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِمَزِيدٍ مِنَ الفَائِدَةِ؛ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ الأَجْوِبَةِ المُرَقَّمَةِ (485، 116، 2691) فِي هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ.
وَلِلَّهِ -عَزَّ شَأْنُهُ- أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الجُودِ وَالكَرَمِ.