26/8/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:-

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ،

أَبِي كَانَ لَدَيْهِ أَرْضَانِ؛ الْأَرْضُ الْأُولَى كَانَتْ مِلْكَهُ، وَالْأَرْضُ الْأُخْرَى مُشْتَرَكَةٌ مَعَ أَحَدِ إِخْوَتِهِ، وَعَمِلَ وَكَالَةً لِأَخِيهِ الْأَكْبَرِ حَتَّى إِذَا احْتَاجَ لِلْبِنَاءِ يَكُونُ البيع عَلَيْهِ سَهْلًا ، بَاعَ أَخُوهُ الْأَكْبَرُ الْأَرَاضِيَ، وَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي سَنَةِ 2000م، وَعَمِّي مَاتَ رحمه الله تعالى، وَأَبِي يُطَالِبُ بِمَالِهِ وَيُرِيدُ قِيمَةَ مَالِ الْأَرْضِ؛ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ الْأَرْضَ الْآنَ وَصَلَتْ قِيمَتُهَا فَوْقَ 50 أَلْفَ دُولَارٍ، وَتَنَازَلَ عَنِ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي قِيمَتُهَا الْآنَ أَكْثَرُ مِنْ 500 أَلْفِ دُولَارٍ.

سُؤَالِي لِسِيَادَتِكُمْ: هَلْ مِنْ حَقِّ وَالِدِي أَنْ يُطَالِبَ بِقِيمَةِ الْأَرْضِ الْآنَ؛ لِأَنَّ عَمِّي – رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى – بَاعَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ أَبِي؟ وَشُكْرًا.

الِاسْمُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ

 

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

حَيَّاكُمُ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ الْمَيْمُونِ.

 

الجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

مِنْ حَقِّ وَالِدِكَ أَنْ يُطَالِبَ بِثَمَنِ الْأَرْضِ أَوْ بِالتَّعْوِيضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

قَالَ الحقُّ سُبْحَانه تَعَالَى:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ….} [النساء: 29].

وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَرةِ  نَهْيُ المُسْلِمِ عَنْ بَيْعِ مَا لَا يَمْلِكُ:

فعَنْ سيِّدِنَا حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ  تَعَالى عَنْهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَنْ أَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي) الإمام أَبُو دَاوُدَ رحمه المعبود سُبْحَانَه .

وَهَذَا الْبَيْعُ يُسَمَّى (بَيْعَ الْفُضُولِيِّ)  بِضَمِّ الْفَاءِ: وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ، يُنْظَرُ: حَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ (3/97) .

وتَعَدَّدَتْ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَه، فِي حُكْمِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ إلى قَوْلَيْنِ-:

  • الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ.

وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ السَّادَةُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، رَحِمَهُمْ رَبُّ الْبَرِيَّةِ تَعَالَى:-

الْحَنَفِيَّةُ رَحِمَهُمْ اللهُ تَعَالَى:- (وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى النَّفَاذِ فَنَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا الْمِلْكُ أَوِ الْوِلَايَةُ، أَمَّا الْمِلْكُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ، فَلَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْوِلَايَةِ، وَلَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ فِي تَرْتِيبِ الشَّرَائِعِ، للإمام الكاساني رحمه المنان تعالى (5/148).

الْمَالِكِيَّةُ افاض الله  تعالى عليهم من رحماته القدسية:-

(فَأَمَّا الشِّرَاءُ لِأَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ الْبَيْعُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَهُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ، فَيَنْعَقِدُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ رَبِّهِ) الْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ، الإمام ابن جزي الكلبي الغرناطي، رحمه المتعالى سبحانه (163).

  • الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ.

وَهُوَ مَاذَهَبَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:

الشَّافِعِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى:- (اخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَالشِّرَاءِ الْمَوْقُوفِ، فَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ) اللُّبَابُ، ابن المحاملي الشافعيّ، رحمه العلي تعالى (235).

الْحَنَابِلَةُ رَحِمَهُمُ الْبَارِي جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ:- (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ وَلَا مَأْذُونٍ لَهُ حَالَ الْعَقْدِ) مَنَارُ السَّبِيلِ فِي شَرْحِ الدَّلِيلِ، ابن ضويان رحمه الرحمن سبحانه (1/308).

الخُلاصَةُ:-

فَلِلْوَالِدِ الْحَقُّ أَنْ يُطَالِبَ بِالتَّعْوِيضِ عَنِ الضَّرَرِ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ بَيْعِ أَرْضِهِ دُونَ عِلْمِهِ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ.

ثُمَّ اعْلَمْ يَا وَلَدِي، أَنَّ الحَقَّ قَوِيٌّ بِبَيَانِهِ، لَكِنَّهُ يَغْدُو أَسْرَعَ وُصُولاً إِلَى القُلُوبِ إِذَا طُلِبَ بِرِفْقٍ؛ فَكَرَمُ الأُسْلُوبِ وَحُسْنُ الخِطَابِ يُلِينَانِ القُلُوبَ المَغْلَقَةَ، وَيَفْتَحَانِ بَابَ الاِسْتِجَابَةِ سَرِيعاً، وَكَمَا قَالَ سَيِّدُنا النَّبِيُّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم:-

(إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وَعَلَى الْبَائِعِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ أَنْ يَنْتَبِهَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَتَمِّ الِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَكْلِ حقِّ أخيه، وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ سَيَقِفُ أَمَامَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ، وَهُوَ سَائِلُهُ عَنْ مَالِهِ: مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، فَمَاذَا سَيُجِيبُ ؟

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (3195) في هذا الموقع المبارك.

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ