9/5/2026
نَصُّ السُّؤَالِ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
سَيِّدِي، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ تَكُونَ بِخَيْرٍ.
سَيِّدِي، هَلِ الصَّلَاةُ عَلَى حَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ تَعَالَى، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، عَدَدُهَا مَفْتُوحٌ لِلسَّالِكِ، أَمْ يَجِبُ أَنْ يَلْتَزِمَ بِعَدَدٍ مُحَدَّدٍ؟
وَجَزَاكَ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا سَيِّدِي.
الِاسْمُ : سائلة
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ.
شُكْرًا لَكِ عَلَى تَوَاصُلِكِ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ الْمَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لَكِ السَّدَادَ وَالتَّوْفِيقَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
الْتِزَامُ السَّالِكِ بِـ (الْوِرْدِ الْيَوْمِيِّ) الَّذِي أَلْزَمَهُ بِهِ شَيْخُهُ وَمُرَبِّيهِ يُعَدُّ أَمْرًا وَاجِبًا فِي مَسَارِ السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ إِذْ إِنَّ هَذَا الْوِرْدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَذْكَارٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ لِضَبْطِ النَّفْسِ، وَتَزْكِيَةِ الرُّوحِ، وَفِطَامِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْهَوَى، وَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ تُرَبِّي فِي النَّفْسِ مَلَكَةَ الِانْضِبَاطِ وَالصِّدْقِ، وَتَمْنَحُ الْمُرِيدَ الْقُوَّةَ وَالْمَدَدَ لِمُجَاهَدَةِ أَهْوَائِهِ وَوَسَاوِسِهِ.
وَلَا مَانِعَ بِحَالٍ إِذَا أَتَمَّ السَّالِكُ وِرْدَهُ الْأَسَاسِيَّ الَّذِي حَدَّدَهُ لَهُ شَيْخُهُ أَنْ يَسْتَزِيدَ بِـالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ، بَلْ ذَلِكَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ؛ بِشَرْطِ أَلَّا تُؤَدِّيَ هَذَهِ الزَيَّادةُ إِلَى الِانْقِطَاعِ أَوِ التَّذَبْذُبِ، بِأَنْ يَجْتَهِدَ يَوْمًا وَيَنْقَطِعَ أَيَّامًا.
فَإِنَّ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا النَّبِيِّ، صَلَواتُ رَبِي وَسَلَامُهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وِصَحْبِهِ أجْمَعِين، عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْإِكْثَارَ مِنْهَا مَشْرُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ الْأَذْكَارِ، وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَهِيَ جَالِبَةٌ لِلْخَيْرَاتِ، قَاضِيَةٌ لِلْحَاجَاتِ، بإذنِ اللهِ تَعَالَى وَبَابٌ لِرِضَاءِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، جَلَّ وَعَلَا، وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ، وَمَحَبَّتِهِ لِعِبَادِهِ، وَقَدْ أَمَرَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا، فَقَالَ:-
{إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
وَرَغَّبَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فقالَ :-
(مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ سَيَّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، رضي اللهُ تَعَالى عنهم وعنكم، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، يَخْطُبُ يَقُولُ:-
(مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ) الإمام أحمد رحمه الله الصمد.
وَعَنْ سَيِّدِنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ وعَنْكُم، أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ:-
(أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
قَالَ الشيخ أَبُو الْعُلَا الْمُبَارَكْفُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:-
(قَوْلُهُ: أَوْلَى النَّاسِ بِي أَيْ: أَقْرَبُهُمْ بِي أَوْ أَحَقُّهُمْ بِشَفَاعَتِي، أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً): لِأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ مُنْبِئَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ، الْمُقْتَضِي لِلْمُتَابَعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ، الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ}….) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (2/496).
وَعَنْ سَيِّدِنَا أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وعنْكم، قَالَ:-
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: (مَا شِئْتَ)، قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ)) الإمام الترمذي رحمه الله جلَّ جلالُه.
أَمَّا مَا يَجْعَلُهُ الشَّيْخُ الْمُرَبِّي لِمُرِيدِهِ وِرْدًا مُحَدَّدًا، كَأَنْ يَقُولَ: صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فِي الْيَوْمِ أَوِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ ، فَهَذَا جَائِزٌ وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ وَسِيلَةً لِلتَّرْبِيَةِ وَتَرِوِيضِ النَّفْسِ وَتَنْظِيمِ الذِّكْرِ، وَهُوَ فِعْلُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّالِحِينَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وعنكم.
ولمَزِيدِ فَائدَةٍ ارجو مُرَاجَعَةِ الجَواب ِ المُرَقَمِ (3267) فِي هَذا المُوقِعِ المُبَارَكِ المَيْمُونِ.
والخُلَاصَةُ:-
وَلْيَتَنَبَّهِ السَّالِكُ؛ فَإِنَّ العِبَادَةَ المَوْسِمِيَّةَ تُبْقِي القَلْبَ مُتَذَبْذِباً، لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وإِنَّ هَذَا التَّذَبْذُبَ يُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ مَزَالِقِ النَّفْسِ وَغَوَائِلِ الشَّيْطَانِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا أَهْلُ الطَّرِيقِ؛ إِذْ يُغْرِي الشَّيْطَانُ الْعَبْدَ بِالنَّشَاطِ الزَّائِدِ يَوْمًا لِيُصِيبَهُ بِالْفُتُورِ وَالْكَسَلِ أَيَّامًا.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالسُّلُوكِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ.
فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سَيِّدُنَا هُود عَلِيهِ السَلَام: 112].
قَالَ سَيَّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) الإمام البخاري رَحِمَهُ الله ُ تَعَالَى.
وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تعالى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَاللَّوَاءِ الْمَعْقُودِ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أهل الكرم والجود.