17/9/2026

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

مبارك عليكم شهر المولد النبوي الشريف ، كل عام وانتم وأمة حضرة الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بألف خير.

سيدي وقرة عيني، السؤال كالآتي:

صديقي لديه سيارة ، طلب مني ان نذهب سوية في سيارته في شهر المولد النبوي الشريف للذهاب الى احتفاليات الذكرى النبوية الشريفة ، فمن باب المزاح ، قلت له عبارة (سيارتك مُحَرَّمَةٌ عَلَّيَ إلى نهاية عام 2026) وكررتها له اكثر من مرة ، ونيتي في هذا القول هو المزاح ، علما اني ركبتها بعد هذا القول وهي واقفة، فقال لي عليك كفارة فقد ركبت سيارتي .

فما حكم قولي ، وما حكم الركوب في السيارة اذا كان القول معتبر في الشرع الشريف.

وبعد كل هذا قلت له ( كانت نيتي المزاح وما دمتَ تدَّعي الحرمة ، فكما تريد هي محرمة عليَ) ، وأظن في هذه المرة كان في قلبي شيء من انعقاد النية والله تعالى اعلم.

رضي الله تعالى عنكم وجزاكم عَنَّا خير الجزاء.

 

الاسم: سائل

الرَدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى تَوَاصُلِكُمُ الطَّيِّبِ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ، وَعَلَى دَعَوَاتِكُمُ الطَّيِّبَةِ، وَأَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَكُمْ مَحَبَّةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَيَّامَكُمْ كُلَّهَا خَيْرًا وَبَرَكَةً.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

قَوْلُكَ: «سَيَّارَتُكَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ» مِنْ أَلْفَاظِ تَحْرِيمِ الحَلَالِ، وَقَدْ تَعدَدَت أَرَاءُ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ؛ فَذَهَبَ  السَادَةُ الأحنَافُ وَالحَنَابِلَةُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ اليَمِينِ، فَإِذَا اسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَذَهَبَ السَادَةُ المَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.

وَعَمَلًا بِالمَذْهَبِ الحَنَفِيِّ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الحَلَالِ يَكُونُ فِي حُكْمِ اليَمِينِ، وَلَا تَصِيرُ السَّيَّارَةُ مُحَرَّمَةً فِي ذَاتِهَا، وَلَكِنْ إِذَا اسْتَبَاحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

وَعَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُكَ الأَوَّلُ مُعْتَبَرًا يَمِينًا، فَإِنَّ رُكُوبَكَ السَّيَّارَةَ بَعْدَهُ يُعَدُّ حِنْثًا، وَلَوْ كَانَ القَوْلُ قَدْ صَدَرَ مِنْكَ عَلَى سَبِيلِ المُزَاحِ.

وَأَمَّا قَوْلُكَ الثَّانِي: «فَكَمَا تُرِيدُ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ»، فَإِنْ كَانَ قَصْدُكَ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إِنْشَاءَ اليَمِينِ أَوْ تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ، فَهُوَ كَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عَلَى هَذَا القَوْلِ، وَيَكُونُ الحِنْثُ بِاسْتِعْمَالِ السَّيَّارَةِ بَعْدَهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ.

التَّفْصِيلُ:-

قَوْلُ المُسْلِمِ عَنْ شَيْءٍ حَلَالٍ: «هُوَ حَرَامٌ عَلَيَّ» لَا يَجْعَلُهُ حَرَامًا فِي ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ اليَمِينِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1-2].

وَقَدْ تَنَوَّعَتْ آَرَاءُ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِيَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا حَلَالًا، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ اليَمِينِ، أَمْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟

فَذَهَبَ السَّادَةُ الحَنَفِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَمْلِكُهُ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا اسْتَبَاحَهُ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

قَالَ الإِمَامُ المَرْغِينَانِيُّ الحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:-

(وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَمْلِكُهُ لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ إِنِ اسْتَبَاحَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) [الهداية في شرح بداية المبتدي، 2/320].

وَعَلَى هَذَا القَوْلِ، فَإِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ لِصَدِيقِهِ: «سَيَّارَتُكَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ» يَجْرِي مَجْرَى اليَمِينِ، وَلَا تَصِيرُ السَّيَّارَةُ مُحَرَّمَةً فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ الحُكْمُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَكِبَ السَّيَّارَةَ بَعْدَهُ، فَقَدِ اسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَكُونُ حَانِثًا، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ المُزَاحِ، فَلَا يَرْفَعُ الحُكْمَ عَلَى القَوْلِ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَصُونَ لِسَانَهُ عَنِ الأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامٌ شَرِعِيَّةٌ، وَأَلَّا يَجْعَلَ أَلْفَاظَ التَّحْرِيمِ وَالأَيْمَانِ مَجَالًا لِلْمُزَاحِ.

وَأَمَّا تَكْرَارُهُ العِبَارَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ السَّيَّارَةَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي المَجْلِسِ نَفْسِهِ وَعَلَى الوَاقِعَةِ نَفْسِهَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ القَوْلِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ بِهِ الكَفَّارَةُ؛ وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (216)، فِي هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ.

وَأَمَّا قَوْلُكَ بَعْدَ ذَلِكَ: كَانَتْ نِيَّتِي المُزَاحَ، وَمَا دُمْتَ تَدَّعِي الحُرْمَةَ، فَكَمَا تُرِيدُ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ، فَهَذِهِ العِبَارَةُ تَحْتَاجُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مُجَرَّدِ الإِخْبَارِ عَنِ القَوْلِ السَّابِقِ وَبَيْنَ إِنْشَاءِ الِالْتِزَامِ أَوْ تَأْكِيدِهِ؛ فَإِنْ كُنْتَ تَقْصِدُ بِهَا إِنْشَاءَ اليَمِينِ أَوْ تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ عَلَى نَفْسِكَ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الحُكْمِ المَذْكُورِ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ السَّيَّارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ حِنْثًا.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ المُرَادُ مُجَرَّدَ بَيَانِ أَنَّكَ قُلْتَ العِبَارَةَ الأُولَى عَلَى سَبِيلِ المُزَاحِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَانُ الشُّكُوكَ اللَّاحِقَةَ سَبَبًا لِتَكَلُّفِ النِّيَّاتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الكَلَامِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا قَصَدَهُ المُتَكَلِّمُ حَقِيقَةً عِنْدَ تَلَفُّظِهِ.

وَالوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُعَظِّمَ أحْكَامَ الشَّرْعِ الشريف، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ اسْتِعْمَالَ التَّحْرِيمِ والتَحْلِيلِ وَالأَيْمَانِ فِي المُزَاحِ؛ فَإِنَّ اللِّسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرِعِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ ابْتِدَاءً التَّشْدِيدَ عَلَى نَفْسِهِ.

قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

(إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) [الإمام البخاري رحمه الله تعالى].

 

وَأَمَّا كَفَّارَةُ اليَمِينِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89].

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (2043) وَمَا أُحِيلَ فِيهِ مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا المَوْقِعِ الكَرِيمِ.

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ عِبَارَةَ: «سَيَّارَتُكَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ» يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُ اليَمِينِ، وَأَنَّ رُكُوبَهُ السَّيَّارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ حِنْثٌ مُوجِبٌ لِكَفَّارَةِ اليَمِينِ، وَلَا تَكُونُ السَّيَّارَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فِي ذَاتِهَا.

وَالأَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ تَعَالَى مِنَ التَّوَسُّعِ فِي هَذِهِ الأَلْفَاظِ، وَأَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَلَّا يَجْعَلَ التَّحْرِيمَ وَالأَيْمَانَ مَجَالًا لِلْمُزَاحِ؛ صِيَانَةً لِلِّسَانِ، وَتَعْظِيمًا لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.

وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ..