22/9/2026
نَصُّ السُّؤَالِ:-
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
حَفِظَكُمُ اللهُ تَعَالَى سَيِّدِي.
سُؤَالِي عَنْ مِقْيَاسِ كَهْرَبَاءِ المَنْزِلِ.
بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنْ رَبْطِ مِقْيَاسِ الكَهْرَبَاءِ مِنْ نَوْعِ (ثَرِي فِيز)، جَاءَتْنِي الفَاتُورَةُ بِمَبْلَغٍ أَكْثَرَ مِنَ المُعْتَادِ بِأَضْعَافٍ، فَقُلْتُ لِلْجَابِي: هَذَا كَثِيرٌ، فَأَرْشَدَنِي إِلَى حَلٍّ يُقَلِّلُ مِنْ هَذِهِ المَبَالِغِ، وَهُوَ أَنْ أَقُومَ بِتَشْغِيلِ الأَجْهِزَةِ الكَهْرَبَائِيَّةِ ذَاتِ الحَمْلِ العَالِي دُونَ أَنْ تَمُرَّ بِعَدَّادِ التَّيَّارِ (مِثْلِ أَجْهِزَةِ التَّكْيِيفِ وَالتَّدْفِئَةِ وَالسَّخَّانَاتِ)، وَالاِكْتِفَاءِ بِقِيَاسِ مَا أَسْتَهْلِكُهُ فِي الإِنَارَةِ، عِلْمًا أَنَّ إِنَارَةَ المَنْزِلِ عَادَةً لَا تُسَاوِي نِصْفَ حُمُولَةِ جَهَازِ التَّبْرِيدِ الوَاحِدِ.
الخُلَاصَةُ أَنَّهُ لَوْ تَمَّ حِسَابُ اسْتِهْلَاكِي الكُلِّيِّ سَيَصِلُ المَبْلَغُ الشَّهْرِيُّ إِلَى مَا بَيْنَ (50,000-90,000) دِينَارٍ عِرَاقِيٍّ، وَفِي حَالَةِ الإِنَارَةِ فَقَطْ لَا يَتَجَاوَزُ 15,000 دِينَارٍ عِرَاقِيٍّ.
فَمَا مَشْرُوعِيَّةُ هَذَا العَمَلِ؟
وَمَا مَشْرُوعِيَّةُ المَبَالِغِ التَّقْدِيرِيَّةِ مِنْ قِبَلِهِمْ؟ فَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ قَدْ أَطْفَأَ مَنْزِلَهُ شُهُورًا دُونَ اسْتِخْدَامِ الكَهْرَبَاءِ، يَأْتِي وَيَجِدُ عَلَيْهِ فَوَاتِيرَ تَقْدِيرِيَّةً لَا يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَاتُورَةِ المُسْتَهْلِكِ؟ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْكُمْ وَحَفِظَكُمْ.
الإسم: أبو أحمد
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ
أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْزِيَكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَيَرْزُقَكَ رِضَاهُ، وَيُجَمِّلَكَ بِتَقْوَاهُ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرُدُّ مَنْ دَعَاهُ، وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ.
لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُ عَدَّادِ الكَهْرَبَاءِ أَوْ إِخْفَاءُ جُزْءٍ مِنَ الاِسْتِهْلَاكِ بِقَصْدِ عَدَمِ دَفْعِ قِيمَتِهِ؛ لأَنَّ الوَاجِبَ أَدَاءُ المُسْتَحَقِّ وَفْقَ النِّظَامِ وَالتَّعْرِفَةِ المُعْتَمَدَةِ.
وَأَمَّا الفَوَاتِيرُ التَّقْدِيرِيَّةُ، فَإِنْ كَانَتْ وَفْقَ نِظَامٍ وَضَوَابِطَ مَعْلُومَةٍ لَزِمَتْ فِي حُدُودِهَا، وَإِنْ ثَبَتَ خَطَؤُهَا فَلِلْمُسْتَهْلِكِ المُطَالَبَةُ بِتَصْحِيحِهَا بِالطُّرُقِ الرَّسْمِيَّةِ، وَلَا يُبِيحُ ذَلِكَ التَّلَاعُبَ بِالعَدَّادِ.
جِبَايَةُ الأَمْوَالِ العَائِدَةِ لِدَائِرَةِ الكَهْرَبَاءِ هِيَ أَسْعَارٌ تُحَدِّدُهَا الدَّوْلَةُ، وَهَذِهِ الأَسْعَارُ تَسْرِي عَلَى جَمِيعِ الأَفْرَادِ الَّذِينَ يَقْطُنُونَ فِي تِلْكَ الدَّوْلَةِ، وَالأَصْلُ أَنْ يَدْفَعَ كُلُّ مُسْتَهْلِكٍ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مِقْدَارِ اسْتِهْلَاكِهِ وَالتَّعْرِفَةِ وَالنِّظَامِ المُعْتَمَدَيْنِ، وَلَا يَحِقُّ لأَيِّ مُوَظَّفٍ أَنْ يُغَيِّرَ هَذِهِ الاِسْتِقْطَاعَاتِ أَوْ يَتَجَاوَزَ مَا خُوِّلَ بِهِ شَرْعًا وَنِظَامًا.
وَقَدْ يُعْفَى بَعْضُ الأَشْخَاصِ لِظُرُوفٍ تَقْتَضِيهَا مَصْلَحَةُ الدَّوْلَةِ، لَكِنَّ هَذَا الإِعْفَاءَ لَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقٍ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِقَوَانِينِ وَأَنْظِمَةِ المَحَافَظَةِ عَلَى المَالِ العَامِّ.
فَلَا يَجُوزُ التَّلَاعُبُ بِعَدَّادِ الكَهْرَبَاءِ، وَلَا التَّحَايُلُ عَلَى عَدَمِ دَفْعِ الفَوَاتِيرِ المُسْتَحَقَّةِ؛ وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْتَهَا فِي سُؤَالِكَ تُعْتَبَرُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، مُخَالَفَةً؛ لأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إِخْفَاءِ جُزْءٍ مِنَ الاِسْتِهْلَاكِ وَعَدَمِ دَفْعِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنَ الغِشِّ وَالخِدَاعِ، وَسَيِّدُنَا الصَّادِقُ المَصْدُوقُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:-
(مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الفَوَاتِيرُ التَّقْدِيرِيَّةُ، فَإِنْ كَانَتِ الجِهَةُ المُخْتَصَّةُ قَدْ وَضَعَتْ لَهَا نِظَامًا وَضَوَابِطَ مَعْلُومَةً، فَيُرْجَعُ إِلَيْهَا وَيُلْتَزَمُ بِمَا اسْتُحِقَّ وَفْقَ ذَلِكَ النِّظَامِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّ المَنْزِلَ لَمْ يَسْتَهْلِكْ تِلْكَ الكَمِّيَّةَ، فَلَيْسَ لِلْجِهَةِ أَنْ تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنَ المُسْتَحَقِّ، وَلِصَاحِبِ المَنْزِلِ أَنْ يُطَالِبَ بِتَصْحِيحِ القِرَاءَةِ وَالحِسَابِ بِالطُّرُقِ الرَّسْمِيَّةِ المُقَرَّرَةِ.
فَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّارِ قَدْ تَرَكَ مَنْزِلَهُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلِ الكَهْرَبَاءَ، ثُمَّ جَاءَتِ الفَاتُورَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ بِمَبْلَغٍ لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ الاِسْتِهْلَاكِ الحَقِيقِيِّ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ وَيُطَالِبَ بِالتَّحَقُّقِ مِنَ القِرَاءَةِ وَالحِسَابِ وَتَصْحِيحِ مَا ثَبَتَ خَطَؤُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي المُقَابِلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ عَنْ طَرِيقِ تَجَاوُزِ العَدَّادِ؛ لأَنَّ خَطَأَ الجِهَةِ إِنْ ثَبَتَ لَا يُبِيحُ مُقَابَلَتِهِ بِمُخَالَفَةٍ أُخْرَى.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ: (2989) فِي هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ.
وَنَصِيحَتِي مِنْ خِلَالِ هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ لِكُلِّ الحُكُومَاتِ وَالمَسْؤُولِينَ أَنْ يَرْفُقُوا بِمُوَاطِنِيهِمْ، وَأَلَّا يُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ، وَأَلَّا تَكُونَ غَايَتُهُمْ مُجَرَّدَ تَحْصِيلِ الأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا وَاجِبُهُمُ الأَعْظَمُ خِدْمَةُ المُوَاطِنِينَ وَالتَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقُ بِهِمْ، وَفِي دُعَاءِ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:
(اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَلْيَعْلَمْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ مَوْقُوفُونَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَمُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَمَجْزِيُّونَ عَلَيْهَا، وَسَيُسْأَلُ كُلُّ حَاكِمٍ وَمَسْؤُولٍ وَصَاحِبِ وِلَايَةٍ عَنْ كُلِّ مَنْ تَحْتَ رَعِيَّتِهِ:
كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهُ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلِيهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِم:-
(كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ..) الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ الفَارُوقِ، فَقَدْ كَانَ يَقُولُ:
(وَلَوْ هَلَكَ حَمَلٌ مِنْ وَلَدِ الضَّأْنِ عَلَى شَاطِئِ الفُرَاتِ، ضَائِعًا؛ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللهُ عَنْهُ) الإِمَامُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
إِلَى هَذَا الحَدِّ سَيَكُونُ السُّؤَالُ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى عَنِ الحَيَوَانَاتِ، فَكَيْفَ بِمِئَاتِ الآلَافِ أَوْ المَلَايِينِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الظُّلْمُ؟! وَالعَدْلُ بِهِ قَامَتْ دُوَلٌ، وَبِالظُّلْمِ انْهَارَتْ دُوَلٌ.
كَمَا يَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَقْتَصِدَ فِي اسْتِعْمَالِ الكَهْرَبَاءِ وَالمَاءِ، وَأَنْ يَكْتَفِيَ بِالقَدْرِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ، دُونَ إِسْرَافٍ، لِعُمُومِ الأَدِلَّةِ النَّاهِيَةِ عَنِ الإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَرَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ يَقُولُ:-
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.