26/9/2026
نَصُّ السُّؤَالِ:
«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
كَيْفَ حَالُكُمْ سَيِّدِي وَمُرْشِدِي الْمُبَارَكُ؟ نَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُمِدَّكُمْ بِصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَرِضًا بِمَا نَفَعْتُمُونَا.
السُّؤَالُ: مَا رَأْيُكُمْ سَيِّدِي فِي زَوَاجِ السَّالِكِ مِنْ غَيْرِ السَّالِكَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا؟ وَعَلَى أَيِّ مَدًى يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَارَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَفْقَ مَنْظُورِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؟»
الاسْمُ: عَدْنَانُ عَابِرٌ
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْزِيَكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَيَرْزُقَكَ رِضَاهُ، وَيُجَمِّلَكَ بِتَقْوَاهُ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرُدُّ مَنْ دَعَاهُ وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ.
الْكَفَاءَةُ فِي الزَّوَاجِ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ وَمَقْصُودٌ؛ وَقَدْ رَاعَى الشَّرْعُ الشَّرِيفُ وُجُودَ قَدْرٍ مِنَ التَّوَافُقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ أَدْعَى إِلَى دَوَامِ الْعِشْرَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَقْرَبُ إِلَى تَحْقِيقِ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ مِنَ السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمَتَى وَجَدَ السَّالِكُ امْرَأَةً ذَاتَ دِينٍ وَخُلُقٍ، وَوَجَدَ قَدْرًا مِنَ التَّوَافُقِ الْفِكْرِيِّ مَعَهَا؛ فَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
إِنَّ الزَّوَاجَ مِنْ أَجَلِّ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَ فِيهَا السَّكَنَ وَالْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ، وَلِذَلِكَ يَنَبَغِي أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُ الزَّوْجَةِ قَائِمًا عَلَى مَا يُحَقِّقُ صَلَاحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرُّومِ: 21].
وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي يَنَبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عِنْدَ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاحِ الْمُعَاشَرَةِ، وَحِفْظِ الْأُسْرَةِ، وَحُسْنِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ، مَعَ جَوَازِ مُرَاعَاةِ مَا جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى اعْتِبَارِهِ مِنَ الْجَمَالِ وَالْحَسَبِ وَنَحْوِهِمَا، مَا دَامَ ذَلِكَ فِي إِطَارِ الشَّرْعِ الشَرِيفِ.
والسَّالِكُ هُوَ:- مَنْ وَضَعَ يَدَهُ بِيَدِ الْمُرْشِدِ الْكَامِلِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ – أَوْ مَنْ يُخَوِّلُهُ الْمُرْشِدُ – وَعَاهَدَهُ عَلَى الِٱلْتِزَامِ بِالشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ وَالعمل بِالْأَوْرَادِ ، وَلِمَعْرِفَةِ الْمَزِيدِ بِخُصُوصِ السَّالِكِ يُرْجَى مُرَاجَعَةُ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (205) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَعَلَيْهِ، فَالسَّالِكُ يَنَبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى بمَنْ يُرِيدُ الزَّوَاجَ بِهَا الدِّينَ وَالْخُلُقَ وَالصَّلَاحَ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي مَدَى التَّوَافُقِ بَيْنَهُمَا فِي الطِّبَاعِ وَالْأَفْكَارِ وَنَظْرَةِ الْحَيَاةِ، وَفِي الْقُدْرَةِ عَلَى بِنَاءِ بَيْتٍ تَسُودُهُ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْخَيْرِ.
أَمَّا كَوْنُ الْمَرْأَةِ سَالِكَةً أَوْ غَيْرَ سَالِكَةٍ فَلَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الزَّوَاجِ، وَلَا يَمْنَعُ عَدَمُ سُلُوكِهَا مِنْ زَوَاجِ السَّالِكِ بِهَا، مَا دَامَتْ مُسْلِمَةً صَالِحَةً مُسْتَوْفِيَةً لِلشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ.
وَالزَّوَاجُ مَشْرُوعٌ إِلَهِيٌّ مُبَارَكٌ يَجِبُ أَنْ يُؤَسَّسَ وَفْقَ ضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ مَتِينَةٍ بَيَّنَهَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ، وَمِنْ ضِمْنِ هَذِهِ الضَّوَابِطِ الْكَفَاءَةُ فِي الزَّوَاجِ الَّتِي عُرِّفَتْ بِأَنَّهَا:-
(الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي خُصُوصِ أُمُورٍ) مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ: 1/339.
يَقُولُ سَيِّدُنّا النَّبِيُّ الْأَكْرَمُ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ إِلَّا الْأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إِلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) الدَّارَ قُطْنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: 4/358.
وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّالِكَةَ لَهَا مَزِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ طَرِيقِ التَّزْكِيَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا فِي الْبَيْعَةِ وَالسُّلُوكِ مِنْ مَعُونَةٍ عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَرْقِيَةِ الْقَلْبِ، وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ لَا تَعْنِي أَنَّ غَيْرَ السَّالِكَةِ لَا تَصْلُحُ زَوْجَةً لِلْسَّالِكِ، وَلَا أَنَّ السَّالِكَ مُلْزَمٌ شَرْعًا بِالزَّوَاجِ مِنْ سَالِكَةٍ.
بَلْ قَدْ يَكُونُ زَوَاجُ السَّالِكِ مِنْ غَيْرِ السَّالِكَةِ سَبَبًا فِي تَعَرُّفِهَا إِلَى طَرِيقِ التَّزْكِيَةِ وَالسُّلُوكِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَعَنْ رَغْبَةٍ وَقَنَاعَةٍ مِنْهَا، مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَلَا تَحْمِيلٍ لَهَا مَا لَا تُطِيقُ؛ فَالْغَايَةُ أَنْ يَكُونَ الزَّوَاجُ مُعِينًا عَلَى الْخَيْرِ وَالِاسْتِقَامَةِ، لَا سَبَبًا لِلْنِّزَاعِ وَاضْطِرَابِ الْأُسْرَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ الكفاءةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْكَاسَانِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي فَصْلٍ أَسْمَاهُ: شَرْطُ كَفَاءَةِ الزَّوْجِ فِي إِنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ:
(فَقَدْ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا شَرْطٌ) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ: 2/317.
قَالَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ:
(الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْكَفَاءَةُ: الْمِثْلُ، وَأَصْلُ اعْتِبَارِهَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ النِّكَاحِ السُّكُونُ وَالْوُدُّ وَالْمَحَبَّةُ… وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَا يُحَصِّلُ الْحِكْمَةَ الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا لَا يُشْرَعُ، وَالْكَفَاءَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بِأَيِّ شَيْءٍ تَحْصُلُ) الذَّخِيرَةُ: 4/211.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ:-
(قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ) الْمَجْمُوعُ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ: 16/211.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:-
(قَالَ: وَإِذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ. اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ) الْمُغْنِي لِٱبْنِ قُدَامَةَ: 7/33.
مِنْ خِلَالِ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَدِ اشْتَرَطُوا الْكَفَاءَةَ فِي الزَّوَاجِ مَعَ تَعَدُّدِ آرَائِهِمْ فِي الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَهِيَ عَلَى الْجُمْلَةِ: (الدِّينُ، وَالنَّسَبُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَالُ، وَالْحِرْفَةُ ،وغيرها)، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْكَفَاءَةِ.
الخلاصة:-
وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ السَّالِكَ إِذَا وَجَدَ امْرَأَةً فِيهَا مُقَوِّمَاتُ الصَّلَاحِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَالِكَةً أَنْ يَرْتَبِطَ بِهَا بِعَقْدِ الزَّوَاجِ ثُمَّ يُرْشِدَهَا إِلَى الْخَيْرِ.
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3081)، (3227)، وَمَا أُحِيلَ فِيهِمَا مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.