30/9/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ.

حَفِظَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَنَفَعَ بِكُمْ أُمَّةَ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَزَاكُمُ اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ، وَأَطَالَ اللهُ فِي عُمْرِكُمْ فِيمَا يُحِبُّهُ وَ يَرْضَاهُ.

شَيْخِي، أَنَا بَدَأْتُ أَحْفَظُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ -عِلْمًا أَنِّي مُدَرِّسَةٌ لِلُغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الـ 29 مِنْ عُمْرِي-، بَدَأْتُ الْحِفْظَ وَأَتْمَمْتُ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَبَدَأْتُ فِي حِفْظِ جُزْءِ «تَبَارَكَ» وَشَارَفْتُ عَلَى إِتْمَامِ حِفْظِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَنَا أُمٌّ لِطِفْلَيْنِ: طِفْلٌ عُمْرُهُ 4 سَنَوَاتٍ وَالْآخَرُ رَضِيعٌ، وَأَنَا مُوَظَّفَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ إِدَارَةِ أُمُورِ الْمَنْزِلِ، وَيَعْلَمُ اللهُ أَنَّ وَقْتِي جِدًّا ضَيِّقٌ.

سُؤَالِيَ الْأَوَّلُ: هَلْ صَحِيحٌ لَا يَصِحُّ أَنْ أَحْفَظَ وَأُرَاجِعَ حِفْظِي عَلَى وَقْتِ فَرَاغِي؟

وَسُؤَالِيَ الْآخَرُ: لِمَاذَا لَا أَجِدُ حَلَاوَةَ الْحِفْظِ؟ وَأُعَانِي مِنْ تَوَتُّرِ أَعْصَابٍ مُسْتَمِرٍّ، وَأُعَانِي مِنْ مَشَاكِلَ زَوْجِيَّةٍ وَعَائِلِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ أَلْهَتْنِي عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَيَعْلَمُ اللهُ كَمْ أُجَاهِدُ حَتَّى أَجِدَ وَقْتًا لِلذِّكْرِ وَحِفْظِ الْقُرْآنِ. قَالَ لِيَ الْبَعْضُ: إِنَّ حِفْظَكِ لَيْسَ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْبُولًا لَمَا شَقِيتِ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ لَا يَشْقَى، فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ شَيْخِي؟ وَأَسْأَلُكَ الدُّعَاءَ لِي فِي خَلَاصِي مِنَ الْمَشَاكِلِ.

الاسْمُ: أَمَةُ اللهِ

 

الرَدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ عَلَى دَعَوَاتِكُمُ الْكَرِيمَةِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يَغْمُرَكِ بِلَطَائِفِهِ وَنَفَحَاتِهِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَيُفَرِّجَ كَرْبَكِ، وَيُذْهِبَ هَمَّكِ، وَيُصْلِحَ شَأْنَكِ كُلَّهُ؛ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

أَوَّلًا: حِفْظُكِ لِلْقُرْآنِ الكريم وَمُرَاجَعَتُكِ فِي أَوْقَاتِ فَرَاغِكِ صَحِيحٌ وَمَقْبُولٌ شَرْعًا، وَيُثَابُ الْعَبْدُ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ يَقْرَؤُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ.

ثَانِيًا: غِيَابُ الْخُشُوعِ وَلَذَّةِ الْحِفْظِ يَرْتَبِطُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ بِحَالَتِكِ النَّفْسِيَّةِ وَالظُّرُوفِ الْمُحِيطَةِ بِكِ، وَيُحَاوِلُ الشَّيْطَانُ إِدْخَالَ الْيَأْسِ إِلَى قَلْبِكِ عَبْرَ هَذِهِ الْأَفْكَارِ لِتَقُولِي “حِفْظِي غَيْرُ مَقْبُولٍ” فَتَتْرُكِي الْقُرْآنَ الكريم كُلِّيًّا.

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ مَشَقَّتَكِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ فَهُوَ ادِّعَاءٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ إِنَّ أَجْرَكِ مُضَاعَفٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَظِيمِ مُجَاهَدَتِكِ.

التَّفْصِيلُ:-

أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: فَاعْلَمِي -ابْنَتِيَ الْكَرِيمَةَ- أَنَّ حِفْظَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَمُرَاجَعَتَهُ فِي أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى تقرئي كِتَابَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَوْ تُرَاجِعَي مَا حَفِظَتيه، بَلْ كُلُّ وَقْتٍ وُجِدَ فِيهِ فَرَاغٌ فَهُوَ فُرْصَةٌ يَنْبَغِي اغْتِنَامُهَا.

 

وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ تَجْعَلِي لِنَفْسِكِ وِرْدًا ثَابِتًا مِنَ الْحِفْظِ وَالْمُرَاجَعَةِ؛ لِأَنَّ أَوْقَاتَ الْفَرَاغِ قَدْ تَتَغَيَّرُ، وَقَدْ تَأْتِيكِ الْمَشَاغِلُ، فَإِذَا جَعَلْتِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقْتًا مَعْلُومًا مِنْ يَوْمِكِ يُعِينٌكِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، ثُمَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ فَاجْعَلِيهِ لِلْمُرَاجَعَةِ وَالتِّلَاوَةِ.

وَإِذَا وَجَدْتِ نَفْسَكِ مُتَوَتِّرَةً، فَلَا تَدْخُلِي مُبَاشَرَةً فِي حِفْظٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا افْتَحِي الْمُصْحَفَ وَاقْرَئِي مَا تَحْفَظِينَهُ، وَاسْتَمِعِي إِلَى قَارِئٍ تُحِبِّينَ قِرَاءَتَهُ، وَصَلِّي بِمَا حَفِظْتِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعِينُ عَلَى تَثْبِيتِ الْقُرْآنِ الكريم وَرَبْطِ الْحِفْظِ بِالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ.

وَقَدْ أَوْصَى أَهْلُ الْعِلْمِ  رضي الله تعالى عنهم وعنكم فِي طُرُقِ الْحِفْظِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى شَخْصٍ مُتْقِنٍ، وَالِاسْتِمَاعِ إِلَى أَحَدِ الْقُرَّاءِ، وَالصَّلَاةِ بِمَا يَحْفَظُهُ الْإِنْسَانُ.

وَاعْلَمِي ابنتي الكريمة أَنَّ أَرْكَانَ حِفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَيْسَتِ الْحِفْظَ الْجَدِيدَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هِيَ:-

أَوَّلًا: حِفْظُ الْمُخَصَّصِ (البرنامج اليومي).

ثَانِيًا: مُرَاجَعَةُ مَا سَبَقَ حِفْظُهُ.

ثَالِثًا: التَّثَبُّتُ مِمَّا حَفِظْتِيهِ.

وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعَاهُدِ وَالْمُرَاجَعَةِ؛

فَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:

(تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي عزّ شَأْنُهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: (بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ).

تَفَصِّيًا: المَعْنَى اللُّغَوِي: يُقال “تَفَصَّى الشَّيْءُ مِنْ الشَّيْءِ” أي انْفَصَلَ عَنْهُ وَخَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ الشِّدَّةِ أَوْ الاِشْتِبَاكِ.

لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ إِذَا لَمْ يَتَعَاهَدْهُ صَاحِبُهُ تَفَلَّتَ مِنْهُ.

وَلِذَلِكَ فَلَا تَجْعَلِي هَمَّكِ كَثْرَةَ الصَّفَحَاتِ الَّتِي تَحْفَظِينَهَا، وَإِنَّمَا اجْعَلِي هَمَّكِ ثَبَاتَ مَا حَفِظْتِيهِ وَلَوْ كَانَ الْمِقْدَارُ قَلِيلًا؛ فَالْقَلِيلُ الثَّابِتُ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ.

وَمِنَ الدُّعَاءِ النَّافِعِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ قَوْلُ الله تَعَالَى عَلَى لسانِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه: 25-26].

وأنْصَحُكِ بِمُرَاجَعَةِ الْجَوَابِ ذي رَقْمِ: (2694) في هذا الموقع الميمون.

وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: وَهُوَ عَدَمُ شُعُورِكِ بِحَلَاوَةِ الْحِفْظِ وَلَذَّتِهِ مَعَ مَا ذَكَرْتِ مِنَ التَّوَتُّرِ وَالْمُشْكِلَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ.

فَأَقُولُ: إِنَّ فَقْدَانَ حَلَاوَةِ الذِّكْرِ أَوِ الْعِبَادَةِ قَدْ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنَّهُ حُرِمَ الْخَيْرَ أَوْ أَنَّهُ أَصْبَحَ بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ بَابَ مَوْلَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يَتْرُكَ الذِّكْرَ وَالطَّاعَةَ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ حَالِهِ.

فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَهَا إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ، وَنَشَاطٌ وَفُتُورٌ، وَقَدْ تَتَأَثَّرُ بِمَا يُحِيطُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ مُشْكِلَاتٍ وَهُمُومٍ وَأَشْغَالٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتُ مُسْتَمِرَّةً وَتَشْغَلُ الْفِكْرَ وَالْقَلْبَ.

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَحَادِيثُ شريفة تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ فَتْرَةً (أَيْ فُتُورًا)، وَتَدْعُو إِلَى التَّيْسِيرِ عَلَى النَّفْسِ وَعَدَمِ الْيَأْسِ:-

فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا- عَنِ سيَّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ قَالَ:-

(إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالـ “شِرَّةُ” هِيَ الْحَمَاسُ وَالنَّشَاطُ، وَالـ “فَتْرَةُ” هِيَ السُّكُونُ وَالْفُتُورُ، وَهُوَ دَلِيلٌ نَبَوِيٌّ  شريف عَلَى أَنَّ الْفُتُورَ أَمْرٌ عَارِضٌ وَمُحْتَمَلٌ.

وَعِنْدَمَا شَكَى سَيِّدُنَا حَنْظَلَةُ، رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، لِسَيِّدِنَا رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، أَنَّهُ يَشْعُرُ بِتَغَيُّرِ حَالِهِ الْإِيمَانِيِّ  فِي بَيْتِهِ عَنْ حَالِهِ وَهُوَ مَعَ سَيّدِنا رَّسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، ظَانًّا أَنَّهُ قَدْ نَافَقَ، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ  وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سيَّدَنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ يَقُولُ:-

(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

فَمَادَامَ الْعَبْدُ حَرِيصًا بِنِيَّتِهِ عَلَى الْخَيْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُهُ حَتَّى وَإِنْ قَلَّتْ طَاقَتُهُ أَوْ غَابَتْ لَذَّةُ الْعِبَادَةِ عنه مُؤَقَّتًا.

وَأُوصِيكِ، ابْنَتِيَ الْكَرِيمَةَ، أَلَّا تَجْعَلِي حِفْظَكِ لِلْقُرْآنِ الكريم مَعْرَكَةً أُخْرَى تُضِيفِينَهَا إِلَى مُشْكِلَاتِكِ، وَإِنَّمَا اجْعَلِيهِ رَاحَةً لِقَلْبِكِ.

وَلَا تَشْتَرِطِي عَلَى نَفْسِكِ أَنْ تَشْعُرِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِحَلَاوَةٍ أَوْ خُشُوعٍ أَوْ لَذَّةٍ؛ فَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي وَقْتِ الضَّيِّقِ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَرُبَّمَا يَكُونُ اسْتِمْرَارُكِ مَعَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَوْقَاتٍ كُنْتِ فِيهَا مُرْتَاحَةً وَنَشِيطَةً.

وَأَمَّا الْمُشْكِلَاتُ الزَّوْجِيَّةُ وَالْعَائِلِيَّةُ، فَلَا تُهْمِلِي عِلَاجَهَا؛ فَإِنَّ إِصْلَاحَ الْبَيْتِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ، وَحَاوِلِي أَنْ تَفْصِلِي، قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكِ بَيْنَ وَقْتِ مُعَالَجَةِ الْمُشْكِلَةِ وَوَقْتِ الْقُرْآن الكريم، فَلَا تَجْعَلِي كُلَّ جَلْسَةٍ مَعَ الْمُصْحَفِ امْتِدَادًا لِلتَّفْكِيرِ فِي الْخِلَافَاتِ.

وَقَدْ يَكُونُ مَا ذَكَرْتِيهِ مِنَ الْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ وَالتَّوَتُّرِ الْمُسْتَمِرِّ سَبَبًا فِي انْشِغَالِ قَلْبِكِ، فَلَا تَسْتَطِيعِي جَمْعَ نَفْسَكِ عِنْدَ التَّلَاوَةِ وَالْحِفْظِ.

وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَنْتَبِهِي إِلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ عِلَاجَ عَدَمِ شُعُورِكِ بِحَلَاوَةٍ أَوْ خُشُوعٍ أَوْ لَذَّةٍ عِنْدَ قِرَاءَتِكِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِتَرْكِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا بِالِاسْتِمْرَارِ فِيهِ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-

{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُتْعَبًا وَمُثْقَلًا بِالْهُمُومِ، فَهُوَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا إِلَى الِابْتِعَادِ عَنْهُ.

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلِ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لِمَجَرَّدِ أَنْ تُحْفَظَ أَلْفَاظُهُ، وَإِنْ كَانَ حِفْظُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلتَّدَبُّرِ وَالْعَمَلِ، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:-

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].

وَإِنَّ خَيْرَ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمُسْلِمُ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَلُّمُ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ حِفْظًا وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ كَثْرَةَ الْحِفْظِ فَقَطْ، بَلْ أَنْ يُعَلِّقَ الْعَبْدُ قَلْبَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِكَلَامِهِ الشَّرِيفِ.

وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنَّ الْمَشَاكِلَ الزَّوْجِيَّةَ وَالْعَائِلِيَّةَ أَلْهَتْكِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَقُولُ: لَا تَجْعَلِي الشَّيْطَانَ يَجْمَعُ عَلَيْكِ أَمْرَيْنِ؛ مُشْكِلَةً فِي حَيَاتِكِ، ثُمَّ إِبْعَادَكِ بِسَبَبِهَا عَنْ رَبِّكِ سُبْحَانَهُ.

فَالْمُشْكِلَةُ يكون عِلَاجُهَا بِالْحِكْمَةِ وَالصَّبْرِ وَالْحِوَارِ، وَلَكِنْ أَثْنَاءَ ذَلِكَ لَا تَقْطَعِي صِلَتَكِ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، بَلِ اجْعَلِي دُعَاءَكِ وَذِكْرَكِ مِنْ أَسْبَابِ إِصْلَاحِ حَيَاتِكِ.

وَأَكْثِرِي مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الضَّيِّقِ.

وَلَا تَنْتَظِرِي أَنْ تَأْتِيَكِ الْحَلَاوَةُ أَوَّلًا ثُمَّ تَبْدَئِينَ بِالطَّاعَةِ؛ بَلِ ابْدَئِي بِالطَّاعَةِ، وَاثْبُتِي عَلَيْهَا، وَاسْأَلِي اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَكِ الْحَلَاوَةَ. فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَوْقَاتٍ يَجِدُ فِيهَا لَذَّةً وَانْشِرَاحًا، وَقَدْ يَعْبُدُهُ فِي أَوْقَاتٍ أُخْرَى وَهُوَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ، وَكِلَا الْحَالَيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ وَعَدَمِ الِانْقِطَاعِ.

وَاعْلَمِي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَنْظُرُ إِلَى صِدْقِ إِقْبَالِكِ عَلَيْهِ، فَلَا تَحْتَقِرِي الْقَلِيلَ الَّذِي تَفْعَلِينَهُ وَأَنْتِ فِي حَالِ تَعَبٍ وَضِيقٍ؛ فَإِذَا فَتَحْتِ الْمُصْحَفَ وَأَنْتِ مَهْمُومَةٌ، وَقَرَأْتِ وَلَوْ صَفْحَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ طَرَقْتِ بَابَ اللَّهِ تَعَالَى.

أَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُفَرِّجَ عَنْكِ، وَيَكْشِفَ كَرْبَكِ، وَيُصْلِحَ حَيَاتَكِ الزَّوْجِيَّةَ وَالْعَائِلِيَّةَ، وَيُذْهِبَ عَنْكِ التَّوَتُّرَ وَالِاضْطِرَابَ، وَيَرْزُقَكِ رَاحَةَ الْقَلْبِ وَسَكِينَةَ النَّفْسِ، وَيَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَنِيسَكِ فِي شِدَّتِكِ، وَنُورَكِ فِي طَرِيقِكِ، وَيُعِيدَ إِلَى قَلْبِكِ حَلَاوَةَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْحِفْظِ، وَيَجْعَلَكِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ.

وأنْصَحُكِ بِمُرَاجَعَةِ الْأَجْوِبَةِ: (208، 209، 2487، 1716) في هَذَا المُوقِعِ المُبَارَكِ وَمَا أُحِيلَ فيها.

والله عزَّ شأنُه أجل وأعلم.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.