24/10/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:-

السلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

 سَيِّدِي، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَكُمْ وَيُبَارِكَ بِعُمُرِكُمْ، أَنَا أَحَدُ السَّالِكِينَ لَدَى حَضْرَتِكُمْ، وَقَدْ مَنَّ اللهُ تعالى عَلَيْنَا بِنِعْمَةٍ تَوَارَثْنَاهَا مِنْ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا؛ وَهِيَ كِتَابَةُ قَصَائِدِ الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، الَّتِي شِعَارُنَا فِيهَا الْحُبُّ لِسَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَتَقَاضَى عَلَيْهَا أَجْرًا، بَلْ شِعَارُنَا: (اللَّهُمَّ أَنْتَ مَطْلُوبِي وَرِضَاكَ مَقْصُودِي).

وَأَحْيَانًا تَمُرُّ عَلَيْنَا أَبْيَاتُ شِعْرٍ فِي الْقَصَائِدِ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْنَا، وَمِنْهَا نَأْخُذُ وَنَكْتُبُ قَصَائِدَ جَدِيدَةً مُغَايِرَةً لِلنَّصِّ، رَغْمَ أَنَّنِي عَلَى عِلْمِي الْبَسِيطِ بَحَثْتُ فِي مَوْضُوعِ الاِسْتِعَارَةِ الشِّعْرِيَّةِ فَوَجَدْتُهَا فِي نُصُوصٍ شِعْرِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، لَكِنْ غَيَّرَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى الْبَيْتِ؛ كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي:

مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ … تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ

وَقَالَ أَبُو العَتَاهِيَةِ كَذَلِكَ:

مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ … رُبَّ امْرِئٍ حَتْفُهُ فِيمَا تَمَنَّاهُ

وَكُلٌّ مِنْهُمْ نَسَبَ الشِّعْرَ لِنَفْسِهِ، وَنَحْنُ كَذَلِكَ تُصَادِفُنَا أَبْيَاتٌ شِعْرِيَّةٌ رُبَّمَا لَمْ يَفْتَحِ اللهُ عَلَى مُؤَلِّفِهَا فِي وَقْتِهَا، فَنَجِدُ أَنَّ كَلِمَاتِهَا تُصَاغُ مِنْهَا قَصَائِدُ جَدِيدَةٌ فِي حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَهَلْ فِي ذَلِكَ حُرْمَةٌ شَرَعِيَّةٌ؟ خُصُوصًا أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى الْمُؤَلِّفِ لِأَخْذِ الإِذْنِ مِنْهُ، أَوْ كَوْنِهِ مُتَوَفَّى، أَوْ رُبَّمَا تُصَادِفُنَا قَصِيدَةٌ شِعْرِيَّةٌ نَأْخُذُ فَحْوَاهَا وَنُصَيِّرُهَا لِمَدْحِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَبَارَكَ اللهُ فِيكُمْ سَيِّدِي.

الإسم: سائل

الْرَدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

حَيَّاكُمُ اللهُ تَعَالَى يَا وَلَدِي الْمُبَارَكَ، وَبَارَكَ فِيكُمْ وَفِي مَوْهِبَتِكُمْ، وَفِيمَا تَوَارَثْتُمُوهُ عَنْ آبَائِكُمْ وَأَجْدَادِكُمْ مِنْ مَحَبَّةٍ وَخِدْمَةٍ لِجَنَابِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي أَخْذِ الْمَعَانِي الشِّعْرِيَّةِ الْعَامَّةِ، أَوِ الاِسْتِفَادَةِ مِنْ بَعْضِ الأَبْيَاتِ الْقَدِيمَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَصِيَاغَتِهَا بِأُسْلُوبٍ جَدِيدٍ فِي مَدْحِ حَضْرَةِ سَيِّدنا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ فَهَذَا مِنْ فُنُونِ الشِّعْرِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ، مَا دَامَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقٍّ مُعْتَبَرٍ لِلْغَيْرِ، وَلَا إِيهَامٌ بِأَنَّ كَلَامَ غَيْرِكُمْ مِنْ إِنْشَائِكُمْ.

أَمَّا نَقْلُ أَبْيَاتِ شَاعِرٍ مُعَاصِرٍ كَامِلَةً أَوْ أَجْزَاءً مُمَيَّزَةً مِنْ شِعْرِهِ، فَيَنْبَغِي فِيهِ مُرَاعَاةُ حَقِّهِ الأَدَبِيِّ وَنِسْبَتُهَا إِلَى صَاحِبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ.

التَّفْصِيلُ:-

اعْلَمْ يَا وَلَدِي الْكَرِيمِ أَنَّ مَدْحَ جَنَابِ حَضْرَةِ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَآلِ بَيْتِهِ الأَطْهَارِ وَصَحَابَتِهِ الأَخْيَارِ، رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم وعَنْكُم، مِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الْفَتْحُ: 8-9].

وَمِنْ تَعْزِيرِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِهِ أَنْ تُصَاغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ الأَشْعَارُ الرَّفِيعَةُ وَالْكَلِمَاتُ الْبَدِيعَةُ، وَقَدْ عُرِفَ الشِّعْرُ فِي نَصْرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَالذَّبِّ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى، لِابْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى، أَنَّ سَيِّدَنَا  رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآلهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فِي سَيّدِنَا حَسَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَافَحَ عَنْ نَبِيِّهِ) الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ، (2/532).

مِن المَسَائِل المُتَعَلَقِةِ بالشِعْرِ:-

أَوَّلًا: التَّضْمِينُ وَالاِسْتِفَادَةُ مِنَ الشِّعْرِ السَّابِقِ:

مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ تَوَارُدِ الْخَوَاطِرِ، أَوْ أَخْذِ مَعْنَى بَيْتٍ شِعْرِيٍّ وَبِنَاءِ كَلَامٍ جَدِيدٍ عَلَيْهِ، أَوْ الاِنْطِلَاقِ مِنْ بَيْتٍ جَمِيلٍ لِصِيَاغَةِ قَصِيدَةٍ جَدِيدَةٍ، أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي تَارِيخِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ، وَقَدْ عُرِفَتْ لَهُ صُوَرٌ وَفُنُونٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ كَالْتَّضْمِينِ، وَالتَّشْطِيرِ، وَالتَّخْمِيسِ، وَالْمُعَارَضَةِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا اصْطِلَاحُهُ عِنْدَ أَهْلِ الأَدَبِ.

وَالْعِبْرَةُ هُنَا بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ أَخْذِ الْمَعْنَى وَبَيْنَ نَقْلِ الأَلْفَاظِ وَالصِّيَاغَةِ الْمُمَيَّزَةِ؛ فَالْمَعَانِي الْعَامَّةُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا شَاعِرٌ، وَيَجُوزُ لِلشَّاعِرِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهَا وَيُعِيدَ صِيَاغَتَهَا بِأُسْلُوبِهِ، أَمَّا نَقْلُ أَلْفَاظِ شَاعِرٍ آخَرَ وَأَبْيَاتِهِ الْمُمَيَّزَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ حِفْظِ نِسْبَتِهَا إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُعَاصِرِينَ الْمَعْرُوفِينَ.

ثَانِيًا: تَحْوِيلُ مَضَامِينِ الْقَصَائِدِ إِلَى الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ الشَرِيفِ:-

أَمَّا أَخْذُ فَحْوَى قَصِيدَةٍ كَانَتْ فِي غَرَضٍ آخَرَ؛ كَالْغَزَلِ أَوْ الْحِكْمَةِ أَوْ الْوَصْفِ، ثُمَّ صِيَاغَةُ مَعْنَاهَا بِأُسْلُوبٍ جَدِيدٍ لِيَكُونَ فِي مَحَبَّةِ سَيّدِنَا الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الأَصْلُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ حُسْنِ تَوْظِيفِ الأَدَبِ فِي خِدْمَةِ الْمَعَانِي الإِيمَانِيَّةِ، بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ لِأَلْفَاظِ الْقَصِيدَةِ وَصِيَاغَتِهَا الْخَاصَّةِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهَا مِنْ إِنْشَاءِ الْكَاتِبِ الْجَدِيدِ.

ثَالِثًا: ضَابِطُ الأَمَانَةِ الأَدَبِيَّةِ:-

إِذَا كَانَتِ الأَبْيَاتُ لِشَاعِرٍ مُعَاصِرٍ مَعْرُوفٍ، وَأُخِذَتْ أَبْيَاتٌ كَامِلَةٌ أَوْ عِبَارَاتٌ مُمَيَّزَةٌ تُمَثِّلُ جُزْءًا ظَاهِرًا مِنْ قَصِيدَتِهِ، فَالأَوْلَى وَالأَنْسَبُ شَرْعًا وَأَدَبًا حِفْظُ نِسْبَتِهَا إِلَى صَاحِبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ نَشْرَهَا أَوْ إِظْهَارَهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ إِنْشَاءِ الْكَاتِبِ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مُجَرَّدَ مَعْنًى عَامٍّ، أَوْ كَانَ الشِّعْرُ قَدِيمًا مُشَاعًا بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَانَتِ الأَبْيَاتُ مِمَّا اشْتَهَرَ وَتَدَاوَلَتْهُ الأَلْسُنُ وَلَمْ يَعُدِ الْمَقْصُودُ بِهِ الاِسْتِئْثَارَ بِالصِّيَاغَةِ، فَالأَمْرُ أَوْسَعُ، وَلَا حَرَجَ فِي الاِسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَصِيَاغَتِهِ مِنْ جَدِيدٍ، مَعَ اسْتِحْبَابِ حِفْظِ حَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ وَنِسْبَةِ مَا عُرِفَ قَائِلُهُ إِلَيْهِ مَتَى ما أَمْكَنَ.

وَإِذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى صَاحِبِ النَّصِّ أَوْ كَانَ مُتَوَفًّى، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ الاِنْتِفَاعِ بِكُلِّ مَا تَرَكَهُ مِنْ مَعَانٍ وَأَدَبٍ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى قَدْرَ الإِمْكَانِ عَدَمُ نِسْبَةِ كَلَامِهِ إِلَى النَّفْسِ، وَحِفْظُ حَقِّهِ الأَدَبِيِّ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحَالُ.

فَامْضُي يَا وَلَدِي فِي هَذَا الْمَيْدَانِ الْمُبَارَكِ، وَاجْعَلْ قَلَمَكَ سَيْلًا مِنَ الْمَحَبَّةِ نَابعاً، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الأَمَانَةِ الأَدَبِيَّةِ وَحُقُوقِ أَهْلِ الشِّعْرِ، وَلَا تَدَعُ هَذِهِ الْوَسَاوِسَ تُوقِفُ عَطَاءَكُمْ وَنَفَحَاتِكُمْ.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3426، 2996)، وَمَا أُحِيلَ فِيهِمَا مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.

وأرجُو التَّواصُلَ مَعَ لَجْنَةِ الإِعْلَامِ وَالعَلَاقَاتِ العَامَّةِ في مَشْرُوعِ الوَالِدِ المُبَارَكِ؛ إذْ فِيهَا قِسْمٌ يُعْنَى بِالشِّعْرِ وَالأَدَبِ، لِلِانْتِفَاعِ مِنْ خِبْرَاتِهِمْ، وَالتَّوَاصُلِ، وَمَعُونَتِكَ بِمَا تَحْتَاجُ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.