2013/11/24
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما حكم من بكثرة سؤاله للعلماء وبكثرة أحاديثه عن الطلاق وقراءته لما كتبه من أسئلة عن الطلاق ووقوع نظره على ألفاظ الطلاق وما يتحدث به مع نفسه وما يكرره يظن ظنا قويا أنه ربما في كل ما سبق يكون قد وقع الطلاق ولكن يبقى شيء واحد أنه أحيانا في أحاديث نفسه وتكراره لألفاظ الطلاق يظنّ ذلك الظنّ لولا أنّ لسانه يكون في وضع يبعد فيه أنْ يكون تلفظ بما ظنّ كأن يكون في الصلاة أو يردد أذكار صباح أو مساء أو أحيانا يأكل أو أحيانا مطبقا على فمه بوضع يبعد معه التلفظ ولكن لا يستحيل هل يتبع ظنونه القوية أو ينقض تلك الظنون بما سبق وبما يفتيه غالب مَنْ يسألهم مِن العلماء بالانتهاء عما سبق وعدم الالتفات إليه وهو يطبق ذلك إلى الآن رغم ما يحيك في صدره؟
الرجاء إرسال الرد على البريد الالكتروني.
الاسم: عبد الله
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قبل الإجابة على سؤالك أودّ أنْ أشير أوّلًا إلى أنّ كثرة السؤال مكروهة في الإسلام، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) متفق عليه.
إنّ الطلاق أمره خطير لِمَا فيه من تخريب وتدمير لكيان الأسرة وروح البيت، ولا يعقل أنْ تكون النصوص الكثيرة والمتنوعة التي وردت في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة وأرشدت إلى ضرورة أنْ يكون بناء الأسرة على أساس المودّة والمحبّة والرحمة، كقوله تعالى:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
وكقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحابته الكرام:-
(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
ثمّ يأتي إنسان فيهدم هذا كلّه بكلمة واحدة بكلّ بساطة.
وما ذكرته في سؤالك متعلق بحديث النفس والوسواس فلا يقع به طلاق، فإنَّ الله عزّ وجلّ لا يؤاخذ العبد بما دار في نفسه، لعسر التحرّز منه، ولكن يؤاخذه بما قال أو عمل، قال سيدّنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ) الإمام البخاري رحمه لله تعالى.
وفي رواية أخرى قال:-
(إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ صُدُوْرُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوْا عَلَيْهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.
قال الإمام قتادة رحمه الله تعالى:-
(إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله سبحانه:-
(الطَّلَاق لَا يَقَع بِالنِّيَّةِ دُون اللَّفْظ) فتح الباري (9/393).
وقال الصنعاني رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِحَدِيثِ النَّفْسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ) سبل السلام (2/258).
وجاء في الموسوعة الفقهية:-
(فَإِذَا نَوَى التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لَمْ يَقَعْ بِالاِتِّفَاقِ، لاِنْعِدَامِ اللَّفْظِ أَصْلاً، وَخَالَفَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ بِوُقُوعِ طَلاَقِ النَّاوِي لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ” وَلَوْ لُقِّنَ أَعْجَمِيٌّ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَقَالَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ عَرَبِيٌّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظًا أَعْجَمِيًّا يُفِيدُ الطَّلاَقَ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا) الموسوعة الفقهية (29/23).
وبناءً على ما تقدّم فإنَّ ما ذكرته لا يعدّ طلاقا لعدم النطق به مع القدرة عليه.
وأوصي بعدم الالتفات للوسواس، والإعراض عنه، ومخالفة ما يدعو إليه، فإنَّه من الشيطان، ليحزن الذين آمنوا، وخير علاج له الإكثار من ذكر الله سبحانه، والاستعاذة به جلّ وعلا من الشيطان الرجيم، والبُعد عن المعاصي والمخالفات التي هي سبب تسلط إبليس اللعين على بني آدم، قال الله جلّ وعلا:-
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة النحل: 99].
ولمعرفة المزيد ممّا يتعلّق بالوسواس أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (448، 971، 1431) في هذا الموقع المبارك.
والله عزّ وجلّ أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.